ابراهيم بن عمر البقاعي
441
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تعملون ، فالآية من الاحتباك : ذكر الاستفهام أولا دليلا على حذف متعلقه ثانيا ، وما يقال للظالم ثانيا دليلا على ما يقال للعدل أولا . ولما ذكر ما أعد لهم في الآخرة ، وكانوا في مدة كفرهم كالحيوانات العجم لا ينظرون إلا الجزئيات الحاضرة ، خوفهم بما يعملونه في الدنيا ، فقال على طريق الاستئناف في جواب من يقول : فهل يعذبون في الدنيا : كَذَّبَ الَّذِينَ وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال : مِنْ قَبْلِهِمْ أي مثل سبأ وقوم تبع وأنظارهم : فَأَتاهُمُ الْعَذابُ وكان أمرهم علينا يسيرا ، وأشار إلى أنه لم يغنهم حذرهم بقوله : مِنْ حَيْثُ أي من جهة لا يَشْعُرُونَ * أنه يأتي منها عذاب ، جعل إتيانه من مأمنهم ليكون ذلك أوجع للمعذب ، وأدل على القدرة بأنه سواء عنده تعالى الإتيان بالعذاب من جهة يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أبدا أن يأتي منها شر ما ، فضلا عما أخذوا به ، بل لا يتوقع منها إلا الخير . لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم بالعذاب استهزاء ، سبب عنه تبكيت من لم يتعظ بحالهم فقال : فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ أي الذي لا راد لأمره الْخِزْيَ أي الذل الناشئ عن الفضيحة والعذاب الكبير بما رادوه من إخزاء الرسل بتكذيبهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي العاجلة الدنية . ولما كان انتظار الفرج مما يسلي ، قال معلما أن عذابهم دائم على سبيل الترقي إلى ما هو أشد ، وأكده لإنكارهم إياه : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أي الذي انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه بالبعث : أَكْبَرُ من العذاب الذي أهلكهم في الدنيا ، وأشدهم إخزاء ، فالآية من الاحتباك : ذكر الخزي أولا دليلا على إرادته ثانيا ، والأكبر ثانيا دليلا على الكبير أولا ، وسره تغليظ الأمر عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة والسّلام بخلاف ما يأتي في فصلت . فإن سيافه للطعن في الوحدانية ، وهي لكثرة أدلتها وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في نكال الكافر به مطلق العذاب . ولما كان من علم أن فعله يورث نكالا كف عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ * أي لو كان لهم علم ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا وآمنوا ، ولكنه لا علم لهم أصلا ، بل هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، لأن الجزئيات لا تنفعهم كما تنفع سائر الحيوانات ، فإن الشاة ترى الذئب فتنفر منه إدراكا لأن بينها وبينه عداوة بما خلق اللّه في طبعه من أكل أمثالها ، وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من العذاب لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى التصديق . ولما ذكر سبحانه حال الأولين موعظة للعرب ، فكان كأنه قيل صرفا للقول إلى