ابراهيم بن عمر البقاعي

425

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر سبحانه أنه المختص بالملك وحده ، وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه ، أقام الدليل على ذلك الاختصاص مع أنه أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد على وجه ذمهم فيه بالتناقض الذي هم أعظم البأس ذما له ونفرة منه وذما به فقال : وَإِذا وهي - واللّه أعلم - حالية من واو تُصْرَفُونَ وكان الأصل : مسكم ، ولكنه عمم ودل بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب للنسيان فقال : مَسَّ الْإِنْسانَ أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره ضُرٌّ أي ضر كان من جهة يتوقعها - بما أشار إليه الظرف بمطابقة المقصود السورة مع تهديد آخر التي قبلها دَعا رَبَّهُ أي المحسن إليه الذي تقدم تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ » ذاكرا صفة إحسانه مُنِيباً أي راجعا رجوعا عظيما إِلَيْهِ بباطنه مخلصا في ذلك عالما أنه لا يكفيه أمره غيره ضرورة يجدها في نفسه لأن الضر أزال عنه الأموية والحظوظ ، معرضا عما كان يزعم من الشركاء معرفا لسان حاله أنه لا شريك له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق والاعتقاد . ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في ضر استبعد كل البعد أن يكشف عنه ، لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق بالأسباب ، أشار إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال : ثُمَّ أي بعد استبعاده جدا . ولما كان الرخاء محققا ، وهو أكثر من الشدة ، عبر بأداة التحقق ، فقال منبها بالتعبير ب « خول » على أن غطاءه ابتداء فضل منه لا يستحق أحد عليه شيئا ، لأن التخويل لا يكون جزاء بل ابتداء : إِذا خَوَّلَهُ أي أعطاه عطاء متمكنا ابتداء ، وجعله حسن القيام عليه قادرا على إجادة تعهده نِعْمَةً مِنْهُ ومكنه فيها نَسِيَ أي مع دعائه أنه يشكر على الإحسان ، فكانت مدة تخويله ظرف نسيانه ، فعلم أن صلاحه بالضراء ما أي الأمر الذي كانَ يَدْعُوا ربه على وجه الإخلاص إِلَيْهِ أي إلى كشفه من ذلك الضر الذي كان ، وأعلم بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال : مِنْ قَبْلُ أي قبل حال التخويل وَجَعَلَ زيادة على الكفران بنسيان الإحسان لِلَّهِ أي الذي لا مكافىء له بشهادة الفطرة والعقل والسمع أَنْداداً أي لكونه يتأهلهم ، فينزلهم بذلك منزلة من يكون قادرا على المعارضة والمعاندة ، فقد علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه ، ولذلك دعاه في كشف ضره وأنه جعل علمه عند الإحسان إليه جهلا ، فكان كمن لا يعلم من سائر الحيوانات العجم . ولما كان ذلك في غاية الضلال ، لكونه - مع أنه خطأ - موجبا لقطع الإحسان وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس ، وكان هذا