ابراهيم بن عمر البقاعي
422
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تنقصون ، وأن تفيض منه زوجه ، وذلك قبل خلق حواء منه ، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضا منه فالكل منه ، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خلق اللّه آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم ، فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في يساره : إلى النار ولا أبالي » « 1 » . ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ القهر ، وكان سبحانه موصوفا بالعلو ، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان ، فكان تسخيره له وتذليله إنزالا له عن قوته وإيهانا لشدته ، قال دالّا على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال : وَأَنْزَلَ لَكُمْ أي خاصة مِنَ الْأَنْعامِ أي الإبل بنوعيها ، والبقر كذلك ، والضأن والمعز . ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه ، واقتصر على ما عندهم ، وقال : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أي من كل نوع زوجين ذكرا وأنثى ، والزوج اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به ، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل من ذكرها وأنثاها على انفراده ، لا أن أحدا منها من صاحبه ، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل خلق الآدمي . ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجبا قال مستأنفا بيانا لما أجمل قبل : يَخْلُقُكُمْ أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره ، قال دالّا على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر : خَلْقاً ودل على تكوينه شيئا بعد شيء بإثبات الحرف فقال : مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار . ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع ، وكان الجهل ظلمة قال : فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة ، فإذا صار عظاما مكسوة لحما عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل ، وصار خلقا آخر ، وقيل ؛
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 186 وابن حبان 338 والحاكم 1 / 31 عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي رضي اللّه تعالى عنه وإسناده حسن إن شاء اللّه تعالى وله شاهد عند مالك في الموطأ 2 / 898 وأحمد 1 / 44 وأبي داود 4703 والترمذي 3077 عن عمر رضي اللّه عنه وإسناده صحيح . وله شاهد عن أبي الدرداء عند أحمد 6 / 441 وعن عائشة عند مسلم 2662 والبغوي ( 78 ) وعن حكيم ابن حزام عند البزار 2140 .