ابراهيم بن عمر البقاعي
414
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الحكم الجازم الذي لا مرد له : إِنَّا أي على ما لنا من العظمة أَنْزَلْنا أي بما لنا من العظمة ، وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة ، بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقا له صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص به صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن قرب منه ويسره وسهولته لأمته فقال : إِلَيْكَ أي خاصة بواسطة الملك ، لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك ، فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس ، وأظهر موضع الإضمار تفخيما بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول والفروع واللطائف والمعارف الْكِتابَ أي الجامع لكل خير مع البيان القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي والكائن ، متلبسا بِالْحَقِّ وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره ، فالواقع تابع لأخباره ، لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لاخفاء بشيء منها ، لا حلية له ولا لباس إلا الحق ، فلا دليل أدل على كونه من عنده من ذلك ، فليتبعوا خبره ، ولينظروا عينه وأثره . ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد ، ثبت أنه سبحانه الإله وحده ، فتسبب عن ذلك قوله لفتا للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه بلحظ جميع صفات الكمال لأجل العبادة تعظيما لقدرها لأنها المقصود بالذات : فَاعْبُدِ اللَّهَ أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك مُخْلِصاً والإخلاص هو القصد إلى اللّه بالنية بلا علة لَهُ أي وحده الدِّينَ * بمعانقة الأمر على غاية الخضوع لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك لذلك وخسأ عنك الأعداء ، فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئا من أمرك فأخلص لتكون رأس المخلصين الذين تقدم آخر سورة ص أنه لا سبيل للشيطان عليهم وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم ، ووقع الحث على الاقتداء بهم بما ذكر من أمداحهم لأجل صبرهم في إخلاصهم ، قال الرازي : قال الجنيد : الإخلاص أصل كل عمل وهو مربوط بأول الأعمال ، وهو تصفية النية ومنوط بأواخر الأعمال بأن لا يلتفت إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال ، وهو إفراد اللّه بالعمل ، وفي الخبر « أنا أغنى الشركاء عن الشرك » . ولما أمره سبحانه بهذا الأمر ، نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير حقه ، وأن ذلك لا يتصور أن يكون لغيره ، فقال في جواب من كأنه قال : لم منعه من الالتفات إلى غيره ؟ مناديا إشارة إلى أنه لا مكافىء له فلا يسع أحدا يبلغه هذا النداء إلا الخضوع طائعا أو كارها : أَلا لِلَّهِ أي الملك الأعلى وحده الدِّينُ الْخالِصُ لأنه له الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد ، فكما تفرد بأن خلقك وخلق كل ما لك من شيء فكذلك