ابراهيم بن عمر البقاعي
391
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الصبر والأفعال المرضية عزيزة في العباد لا تكاد توجد فلا يكاد يصدق بها ، علل سبحانه هذا الإكرام له صلّى اللّه عليه وسلّم وأكده ، فقال على سبيل الاستنتاج مما تقدم ردّا على من يظن أن الشكوى إليه تنافي الصبر ، وإشارة إلى أن السر في التذكير به التأسي في الصبر : إِنَّا أي على ما لنا من العظمة وَجَدْناهُ أي في عالم الشهادة طبق ما كان لنا في عالم الغيب ليتجدد للناس من العلم بذلك ما كنا به عالمين . ولما كان السياق للحث على مطلق الصبر في قوله تعالى وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [ المزمل : 10 ] أتى باسم الفاعل مجردا عن مبالغة فقال : صابِراً ثم استأنف قوله : نِعْمَ الْعَبْدُ ثم علل بقوله مؤكدا لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك : إِنَّهُ أَوَّابٌ * أي رجاع بكليته إلى اللّه سبحانه على خلاف ما يدعو إليه طبع البشر ، قال الرازي في اللوامع : قال ابن عطاء : واقف معنا بحسن الأدب لا يغيره دوام النعمة ، ولا يزعجه تواتر البلاء والمحنة ، روى عبد بن حميد في مسنده عن أبي سعيد رضي اللّه عنه قال : وضع رجل يده على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : واللّه ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ، إن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالقمل حتى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالفقر حتى يأخذ العباة فيحويها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء « 1 » . ولما ذكر سبحانه من ابتلاه في بدنه وماله وولده ثم جعل له الماء بردا وسلاما وعافية ونظاما وشفاء وقواما ، عطف عليه من ابتلاه بالنار على أيدي الجبابرة فجعلها عليه بردا وسلاما باعتماده عليه وصبره لديه ، ونجاه من كيدهم ، وجعل أيده بمفرده فوق أيدهم ، ثم ابتلاه بالهجرة لوطنه وأهله وعشيرته وسكنه ، ثم بذبح ابنه ، فصبر على ذلك كله ، اعتمادا على فضل اللّه ومنّه فقال : وَاذْكُرْ عِبادَنا بالتوحيد في رواية ابن كثير للجنس أو لإبراهيم وحده عليه السّلام لأنه أصل من عطف عليه دينا وأبوة ، فبين اللّه أساس عطفه عليه في المدح بالعبودية أيضا ، ثم بين المراد بقوله : إِبْراهِيمَ وعطف على العبد لا على مبينه لئلا يلزم بيان واحد بجماعة إذا أريد به إبراهيم وحده لا الجنس ابنه لصبره على دينه في الغربة بين عباد الأوثان ومباعدي الإيمان ، فلم يلفت لفتهم ولا داناهم ، بل أرسل إلى أقاربه في بلاد الشرق ، فتزوج منه من وافقته على دينه الحق ، واستمر على إخلاص العبادة لا يأخذه في اللّه لومة لائم إلى أن مضى لسبيله فقال : وَإِسْحاقَ ثم أتبعه ولده الذي قفا أثره ، وصبر صبره ، وابتلى بفقد ولده ، وبهجة كبده ،
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 3 / 94 عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه وفيه رجل مبهم .