ابراهيم بن عمر البقاعي

389

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وقرىء بضم الصاد أيضا وقرىء بالتحريك كالرشد والرشد ، وكان ذلك إشارة إلى أحوال الضر في الشدة والخفة فالمسكن أدناه ، والمحرك أوسطه ، والمثقل بالضم أعلاه وَعَذابٍ * أي نكد قوي جدا دائم مانع من كل ما يلذ ، ويمكن أن يساغ ويستطعم أجمله ، ونكره تنكير لتعظيم استغنائه على وجازته عن جمل طوال ودعاء عريض إعلاما بأن السيل قد بلغ الزبى ، وأوهن البلاء القوي ، ولم يذكره بلفظ إبليس الذي هو من معنى اليأس وانقطاع الرجاء دلالة على أنه هو راج فضل اللّه غير آيس من روحه ، وذلك أن اللّه تعالى سلطه على إهلاك أهله وولده وماله فصبر ثم سلطه على بدنه إلى أن سقط لحمه واستمر على ذلك مددا طوالا ، فلذلك ثم تراءى لزوجته رضي اللّه عنها في زي طبيب وقال لها : أنا أداويه ولا أريد إلا أن يقول لي ، إذا عوفي أنت شفيتني ، وقيل : قال لها : لو سجد لي سجدة واحدة شفيته ، فأتته وحدثته بذلك فأخبرها وعرفها أنه الشيطان ، وحذرها منه وخاف غائلته عليها ، فدعا اللّه بما تقدم وشدد النكير والتعظيم لما وسوس لها به بأن حلف ليضربنها مائة ضربة ، ردعا لها عن الإصغاء إلى شيء من ذلك ، وتهوينا لما يلقاه من بلائه في جنبه . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 42 إلى 45 ] ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) ولما تشوف السامع إلى جوابه عن ذلك ، استأنف قوله : ارْكُضْ أي قلنا له : اضرب الأرض وأوجد الركض وهو المشي والتحريك والإسراع والاستحثاث بِرِجْلِكَ يخرج منها ماء نافع حسن لتغتسل فيه وتشرب منه ففعل فأنبعنا له عينا ، فقيل له : هذا بإشارة القريب إشارة إلى تسهله مُغْتَسَلٌ أي ماء يغتسل به وموضعه وزمانه بارِدٌ أي يبرد حر الظاهر وَشَرابٌ * يبرد حر الباطن . ولما كان التقدير : ففعل اغتسل وشرب فبرأ ظاهره وسر باطنه ، عطف عليه قوله صارفا القول إلى مظهر الجلال تنبيها على عظمة الفعل : وَوَهَبْنا أي بما لنا من العظمة لَهُ أَهْلَهُ أي الذين كان الشيطان سلط عليهم بأن أحييناهم ، وجمع اعتبارا بالمعنى لأنه أفخم وأقرب إلى فهم المراد فقال : وَمِثْلَهُمْ وأعلم باجتماع الكل في آن واحد فقال : مَعَهُمْ جددناهم له ليعلم من يسمع ذلك أنه لا عبرة بشيء من الدنيا وأنها وكل ما فيها عرض زائل لا ثبات له أصلا إلا ما كان لنا ، فإنه من الباقيات الصالحات ، فلا يغير أحد بشيء منها ولا يشتغل عنا أصلا ، ويعلم من هذا من صدقه القدرة على البعث بمجرد تصديقه له ومن توقف فيه سأل أهل الكتاب فعلم ذلك