ابراهيم بن عمر البقاعي
380
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عليه قوله صارفا الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم تأبى له عظمته غير الجد العظيم : وَما خَلَقْنَا أي على ما لنا من العظمة ، ويجوز أن تكون الجملة حالية . ولما كان السياق لما وقع منهم من الشقاق عنادا لا جهلا ، ذكر من السماوات ما لا يمكن النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال : السَّماءَ أي التي ترونها وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا باطِلًا أي لغير غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء ، ومجازاة من فيهما بالثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى الناس عقلا لا يبني بناء ضخما إلا لغاية أرادها ، وتلك الغاية هي الفصل بين الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار ، وبثثنا بينهم الأسباب الموجبة لانتشار الصفاء فيهم والأكدار ، وأعطيناهم العقول تنبيها على ما يراد بهم ، وأرسلنا فيهم الرسل ، وأنزلنا إليهم الكتب ، بالتعريف بما يرضينا ويسخطنا ، فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا الخلق كله باطلا لا حكمة فيه أصلا ، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد منهما ، والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم ، والثالث باطل لأنه كان في حال العدم كذلك ، فلم يبق للإيجاد مرجح ، فتعين الوسط وهو النفع ، وهو لا يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها ، وتحمل ضر كثير لنفع قليل غير لائق بالحكيم الكريم ، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء . ولما كان هذا - وهو منابذة الحكمة - عظيما جدا ، عظمه بقوله : ذلِكَ أي الأمر البعيد عن الصواب ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي من أوقع هذا الظن في وقت ما ، فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال والمجازاة بالثواب والعقاب ، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق ، فكان إقراره بأنه خالق كلا إقرار فكان كافرا به ، ثم سبب عن هذا الظن قوله : فَوَيْلٌ أي هلاك عظيم بسبب هذا الظن ، وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي مطلقا بهذا الظن وبغيره مِنَ أي مبتدأ من النَّارِ * أي الحكم عليهم بها . ولما كان التقدير : أفنحن نخلق ذلك باطلا ؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه حكمته ونحن منزهون عن العبث ، عطف عليه قوله إنكارا لما يلزم من ترك البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه ، وذلك أشد من العبث وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء : أَمْ نَجْعَلُ أي على عظمتنا الَّذِينَ آمَنُوا أي امتثالا لأوامرنا وَعَمِلُوا أي تصديقا لدعواهم الإيمان الصَّالِحاتِ من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات