ابراهيم بن عمر البقاعي

364

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

خاصة دون غيرهم خَزائِنُ رَحْمَةِ ولما كان إنزال الوحي إحسانا إلى المنزل عليه ، عدل عن إفراد الضمير إلى صفة الإحسان المفيدة للتربية ، فقال مخاطبا له صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه أضخم لشأنه ، وأفخم لمقداره ومكانه : رَبِّكَ أي المحسن إليك بإنزاله ليخصوا به من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزخرف : 32 ] ولما كان لا يصلح للربوبية إلا الغالب لكل ما سواه ، المفيض على من يشاء ، ما يشاء ، قال : الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، ويفيض على جهة التفضل ما يشاء على من يريد ، وله صفة الإفاضة متكررة الآثار على الدوام ، فلا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى . ولما سلب عنهم التصرف في الخزائن ، أتبعه نفي الملك عما شاهدوا منها وهو جزء يسير جدا فقال : أَمْ لَهُمْ أي خاصة مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولما كان الحكم على ذلك لا يستلزم الحكم على الفضاء قال : وَما بَيْنَهُما أي لتكون كلمتهم في هذا الكون هي النافذة ويتكلموا في الأمور الإلهية ويسندوا ما شاؤوا من الأمور الجليلة إلى من شاؤوا ، ثم بين عجزهم وبكتهم وقرعهم ووبخهم بما سبب عن ذلك من قوله : فَلْيَرْتَقُوا * أي يتكلفوا الرقي إن كان لهم ذلك فِي الْأَسْبابِ * أي الطرق الموصلة إلى السماء ليستووا على العرش الذي هو أمارة الملك فيدبروا العالم فيخصوا من شاؤوا بالرسالة ليعلم أن لهم ذلك وأنه لا يسوغ لأحد أن يختص دونهم بشيء . ولما انتفى عنهم بما مضى وعن كل من يدعون ممالأته ومناصرته من آلهتهم وغيرها خصائص الإلهية ، أنتج ذلك أنهم من جملة عباده سبحانه ، فعبر عن حالهم بأعلى ما يصلون إليه من التجمع والتعاضد الذي دل عليه ما تقدم الإخبار عنه من عزتهم وشقاقهم ، ونفرتهم عن القبول وانطلاقهم ، فقال مخبرا عن مبتدأ حذف لوضوح العلم به : جُنْدٌ ما أي ليسوا في شيء مما مضى وإنما هم جند حقيرون من بعض جنودنا متعاونون في نجدة بعضهم لبعض ، قال أبو حيان : ويجوز أن تكون « ما » صفة أريد بها التعظيم على سبيل الهزء بهم أو التحقير لأن « ما » الصفة تستعمل لهذين المعنيين . وبين بعدهم عن غير ما أقامهم فيه واستعملهم له من الرتب التي فرضها لهم وسفولهم عنها بقوله واصفا لجند : هُنالِكَ أي في الحضيض عن هذه المرامي العالية ، وبين أنه كثيرا ما تحزب أمثالهم على الرسل فما ضروا إلا أنفسهم بقوله واصفا بعد وصف مفردا تحقيرا : مَهْزُومٌ أي له الانهزام صفة راسخة ثابتة مِنَ الْأَحْزابِ * أي الذين جرت عادتهم عزة وشقاقا بالتحزب على الأنبياء ثم تكون عليهم الدائرة ، وللرسل عليهم السّلام العاقبة ، فلا تكترث بهم أصلا ، قال ابن برّجان : فكان أول جند مهزوم منهم جند غزوة بدر ، ثم انبسط صدق الحديث على جنود كثيرة في وقائع مختلفة .