ابراهيم بن عمر البقاعي

359

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أشرف لهم - أقعد في النذارة لأنهم أعرف به وبما هو منطو عليه من صدق وشفقة وغير ذلك ، وهو الذي جرت به العوائد في القديم والحديث لكونهم إليه أميل ، فهم لكلامه أقبل . ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذير صلّى اللّه عليه وسلّم في أنه أصدقهم لهجة وأعلاهم همة وأنه منفي عنه كل نقيصة ووصمة ، زاد في التعجيب بأن قال معبرا بالواو دون الفاء لأن وصفهم له بالسحر ليس شبيه هذا العجب : وَقالَ ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ، ومعاندون لا غافلون ، أظهر موضع الإضمار إشارة إلى ذلك وإيذانا بشديد غضبه في قوله : الْكافِرُونَ هذا أي النذير . ولما كان ما يبديه من الخوارق إعجازا فعلا وقولا يجذب القلوب ، وكان أقرب ما يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ذلك إيضاحا جاذبا للقلوب إليه فقالوا : ساحِرٌ أي لأنه يفرق بما أتى به بين المرء وزوجه ، فاعترفوا - مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم كاذبون في ذلك - أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى كَذَّابٌ * أي في ادعائه أن ما سحر به حق ليس هو كسحر السحرة ، وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة وقد كانوا قبل ذلك يسمونه الأمين وهم يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا إتيانه بأصدق الصدق وأحق الحق مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد له أدنى تأمل . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 5 إلى 8 ] أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ( 5 ) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ( 6 ) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ ( 7 ) أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) ولما ذكر قولهم الناشئ عن عجبهم ، ذكر سببه ليعلم أن حالهم هو الذي يعجب منه لا حال من أنذرهم بقوله حاكيا قولهم إنكارا لمضمون ما دخل عليه : أَ جَعَلَ أي صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه الْآلِهَةَ أي التي نعبدها إِلهاً واحِداً ولما كان الكلام في الإلهية التي هي أعظم أصول الدين ، وكان هو صلّى اللّه عليه وسلّم وكل من تبعه بل وكل منصف ينكرون أن يكون هذا عجبا ، بل العجب كل العجب ممن يقبل عقله أن يكون الإله أكثر من واحد ، أكدوا قولهم لذلك وإعلاما لضعفائهم تثبيتا لهم بأنهم على غاية الثقة والاعتقاد لما يقولون ، لم يزلزلهم ما رأوا من منذرهم من الأحوال الغريبة الدالة ولا بد على صدقه ، فسموها سحرا لعجزهم عنها : إِنَّ هذا أي القول بالوحدانية لَشَيْءٌ عُجابٌ * أي في غاية العجب - بما دلت عليه الضمة والصيغة ، ولذلك قرىء