ابراهيم بن عمر البقاعي
352
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 172 إلى 178 ] إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) ولما آذنت اللام بعلوهم ، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى واحد بقوله : إِنَّهُمْ وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل عليه أعمالهم أنه في غاية البعد فقال : لَهُمُ أي خاصة الْمَنْصُورُونَ * أي الثابت نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما . ولما خص بذلك المرسلين ، عم فقال : وَإِنَّ جُنْدَنا أي من المرسلين وأتباعهم ، ولما كان مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفا من الخلق على حدة ، قال جامعا على المعنى دون اللفظ نصا على المراد : لَهُمُ أي لا غيرهم الْغالِبُونَ * أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه الدار فهو في دار القرار ، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما ، وسمى هذا كله كلمة لانتظامه معنى واحدا ، ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن قد يقع ، وكفى دليلا على هذا سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء الثلاثة بعده رضي اللّه عنهم . ولما ثبت لا محالة بهذا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم هو المنصور لأنه من المرسلين ومن جند اللّه ، بل هو أعلاهم ، سبب عن ذلك قوله : فَتَوَلَّ أي فكلف نفسك الإعراض عَنْهُمْ أي عن ردهم عن الضلال قسرا حَتَّى حِينٍ * أي مبهم ، وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل وَأَبْصِرْهُمْ أي ببصرك وبصيرتك عند الحين الذي ضربناه لك وقبله : كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول . ولما كانوا قبل الإسلام عميا صمّا لأنهم لا يصدقون وعدا ولا وعيدا ، ولا يفكرون في عاقبة ، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعدا محققا بالتسويف لا مبعدا : فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى ، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل الفتح ، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة ، فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم . ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء كلما ورد عليهم تهديد ، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه هو تهديد آخر لهم فقال : أَ فَبِعَذابِنا أي على ما علم له من العظمة بإضافته إلينا يَسْتَعْجِلُونَ أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له . ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله ، ولا قرار عند نزوله ، صرح بذلك في قوله : فَإِذا أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا نَزَلَ