ابراهيم بن عمر البقاعي
345
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أهل نينوى للّه وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح من عظمائهم حتى صغائرهم ، وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى فقام عن كرسيه ونزع تاجه ، واكتسى مسح شعر ، وجلس على الرماد ، ونادى في نينوى وقال الملك وأشرافه : وكل الناس والغدائر والثيران والغنم فلا يذوقون شيئا من الطعام ولا يرعون ، وماء فلا يشربون ، ولكن فليلبس الناس والغدائر ويدعو اللّه بالتضرع ، ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء ، وعن الاختطاف الذي في يده ، وقالوا : من ذا الذي يعلم أن اللّه يقبل منا ويترحم علينا ويرد عنا غضبه ورجزه لكيلا نهلك ، ونظر اللّه إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء فرد عنهم غضب رجزه ولم يبدهم ، وحزن يونان حزنا شديدا ، وتكره من ذلك جدا ، وصلى قدام الرب وقال : أيها الرب ! ألم تكن هذه كلمتي ، وأنا بعد في بلادي ولذلك سبقت وفررت إلى ترسيس ، قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف ، طويل صبرك وكثيرة نعمتك ، وترد السوء الآن يا رب ! انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي من الحياة ، فقال له : جدا حزنت يا يونان ، وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة مظلة وجلس تحتها في الظل لينظر ما الذي يعرض للمدينة ، وأمر اللّه الرب أصل القرع ، ونبت وارتفع على رأس يونان ، فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح فرحا كثيرا يونان بأصل القرع . وفي اليوم الآخر أمر اللّه الرب دودة في مطلع الصبح فضربت أصل القرع وقرضته ، فلما طلعت الشمس أمر اللّه الرب ريح السموم فيبست أصل القرع ، وحميت الشمس في رأس يونان ، واغتم وسال الموت لنفسه وقال : إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني ، لأني لم أكن أخبر من إياي ، وقال الرب ليونان : جدّا حزنت على أصل القرع ، فقال يونان : جدّا أحزن حتى الموت ، قال له الرب : أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم تعن به ولم تربه ، الذي في ليلة نبت ، وفي ليلة يبس ، فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم وكثرة من الغدائر - انتهى . ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من بطن الحوت ، فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه وقد زاد عظمه فبنى تحته عريشا وجلس تحته ، فكان منه ما كان ، فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفا لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة - واللّه الموفق . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 149 إلى 157 ] فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 )