ابراهيم بن عمر البقاعي

342

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 143 إلى 148 ] فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ( 145 ) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ( 146 ) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 148 ) . ولما وقع له ما وقع فتجرد عن نفسه وغيرها تجردا لم يكن لأحد مثل مجموعه لا جرم ، زاد في التجرد بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه اللّه تعالى ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ أي خلقا وخلقا مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * أي العريقين في هذا المقام ، وهو ما يصح إطلاق التسبيح في اللغة عليه من التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة وغيرها لأن خلقه مطابق لما هيىء له من خلقه ، فهو لازم لذلك في وقت الرخاء والدعة والخفض والسعة ، فكيف به في حال الشدة ، وحمله ابن عباس رضي اللّه عنهما على الصلاة لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ أي حيّا أو بأن يكون غذاء له فتختلط أجزاؤه بأجزائه إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * أي هو والحوت وغيرهما من الخلائق ، وعبر بالجمع لإفادة عموم البعث ، ولو أفرد لم يفد بعث الحيوانات العجم ، ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت خاصة لمعنى يخصهما فلا يفيد بعث غيرهما ، وقيل : للبث حيّا في بطنه ، وفي الآية إشارة إلى حديث « تعرف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة » وحث على الذكر وتعظيم لشأنه . ولما كان التقدير : ولكنه لما كان ذكارا للّه في حال الرخاء ذكرناه في حال الشدة ، فأنجيناه من بطنه ، وأخرجناه منه سالما ، وكان ذلك أمرا باهرا للعقل ، أبرزه في مظهر العظمة فقال : فَنَبَذْناهُ أي ألقيناه من بطن الحوت إلقاء لم يكن لأحد غيره ، وكان ذلك علينا يسيرا بِالْعَراءِ أي المكان القفر الواسع الخالي عن ساتر من نبت أو غيره ، وذلك بساحل الموصل ، وقال أبو حيان : قذفه في نصيبين من ناحية الموصل . وَهُوَ سَقِيمٌ * أي عليل جدا مما ناله من جوف الحوت بحيث إنه كان كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك محمود غير مذموم بنعمة اللّه التي تداركته ، فكان مجتبى ومن الصالحين وَأَنْبَتْنا أي بعظمتنا في ذلك المكان الذي لا مقتضى للنبات مطلقا فيه فضلا عما لا ينبت إلا بالماء الكثير . ولما كان سقمه متناهيا بالغا إلى حد يجل عن الوصف ، نبه عليه بأداة الاستعلاء فقال : عَلَيْهِ أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه لتظله كما يظل البيت الإنسان . ولما كان الدباء من النجم ، وكان قد أعظمها سبحانه لأجله ، عبر عنها بما له ساق فقال : شَجَرَةً ولما كانت هذه العبارة مفهمة لأنها مما له ساق ، نص على خرق العادة بقوله : مِنْ يَقْطِينٍ * أي من الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن