ابراهيم بن عمر البقاعي
340
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
جل المقصود تبشير المؤمنين وتحذير الكافرين ، وكان مخالفه كثيرا ، وكان هو غريبا بينهم ، قال في مظهر العظمة : إِذْ نَجَّيْناهُ أي على ما لمخالفيه من الكثرة والقوة ، ولم يذكرهم لأنهم أكثر الناس انغماسا في العلائق البشرية والقاذورات البهيمية التي لا تناسب مراد هذه السورة المنبني على الصفات الملكية وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * ولما كان الكفر قاطعا للسبب القريب كما أن الإيمان واصلا للسبب البعيد قال : إِلَّا عَجُوزاً أي وهي امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها ، كائنة فِي الْغابِرِينَ * أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 136 إلى 142 ] ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ( 136 ) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 138 ) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) . ولما ذكر نجاته وابتدأ بها اهتماما بالترجية قال مخوفا معبرا بأداة البعد إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ما دخلت عليه : ثُمَّ دَمَّرْنَا أي أهلكنا بما لنا من العظمة الْآخَرِينَ * أي فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا البلاد المقدسة منهم ومن أرجاس فعلاتهم ، فلم نبق منهم أحدا ولا احتجنا في إهلاكهم إلى استئذان أحد . ولما كان المقصود من مثل هذا تحذير المخالفين ، وكان تجار قريش يرون البقعة التي كانت فيها أماكن قوم لوط ، وهي البحيرة المعروفة ، ولا يعتبرون بهم ، عدوّا منكرين للمرور عليهم فأبرز لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل : وَإِنَّكُمْ أي فعلنا بهم هذا والحال أنكم يا معشر قريش لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ أي مواضع ديارهم في تجاراتكم إلى الشام مُصْبِحِينَ * أي داخلين في الصباح الوقت الذي قلبنا مدائنهم عليهم فيه ، ونص عليه للتذكير بحالهم فيه . ولما كان لليل منظر في الهول غير منظر النهار قال : وَبِاللَّيْلِ ولما كان أمرهم كافيا للعاقل في التقوى ، أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم من تكذيب الناصح فقال : أَ فَلا تَعْقِلُونَ * أي يكون لكم عقول فتعتبروا بحالهم ، فتخافوا مثل مآلهم ، فتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه منكم وأنتم تعرفون من شرف أصله وكريم قوله وفعله ما لا يعرفه أولئك من رسولهم . ولما أكمل سبحانه ما أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو في الآخرة ، ختم بمن آل أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليبا للترجية على التأسية والتعزية فقال مؤكدا لأن ما يأتي من ذكر الإباق ربما أوهم شيئا في أمره : وَإِنَّ