ابراهيم بن عمر البقاعي
33
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
غيره في الواقع عدم ، لأنه مستفاد من الغير ، وليس له الثبوت من ذاته ، ومنه ما أشركوا به ، ولذلك أفرده بالنص ، فقال صارفا للخطاب الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن عاصم إيذانا بالغضب ، وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي وَأَنَّ ما يَدْعُونَ أي هؤلاء المختوم على مداركهم ، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله : مِنْ دُونِهِ . ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه ، كقوله « هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » وأكثر هنا من إظهار الجلالة موضع الإضمار تنبيها على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل فقال : الْباطِلُ أي العدم حقا ، لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه ، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات ، فلما وجدت على هذا النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافىء له . ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق ، قال : وَأَنَّ اللَّهَ أي الملك الأعظم وحده ، ولما كان النيران مما عبد من دون اللّه ، وكانا قد جمعا علوا وكبرا ، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلا عن السفول والصغر ، ختم بقوله : هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي عن أن يدانيه في عليائه ضد ، أو يباريه في كبريائه ند . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 31 إلى 32 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء ، أتبعها دليلها ، فقال منبها على أن سيرنا في الفلك مثل سير النجوم في الفلك ، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان ، ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما استقام ذلك ، خاصا بالخطاب أعلى الناس ، تنبيها على أن هذه الآية لكثرة الألف لها أعرض عن تأملها ، فهو في الحقيقة حث على تدبرها ، ويؤيده الإقبال على الكل عند تعليلها : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ أي السفن كبارا وصغارا تَجْرِي أي بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر ، وعبر بالظرفية إشارة إلى أنه ليس لها من ذاتها إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال : فِي الْبَحْرِ أي على وجه الماء ، وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال : بِنِعْمَتِ اللَّهِ