ابراهيم بن عمر البقاعي

327

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 102 إلى 107 ] فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) ولما كانت البشرى من اللّه لا تتخلف ، كان التقدير : فولد له غلام كما قلنا فَلَمَّا بَلَغَ أن يسعى كائنا مَعَهُ أي مع أبيه خاصة ومصاحبا له السَّعْيَ الذي يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به ، ولا يتعلق مع مبلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي ، ولا معنى لذلك في حق إبراهيم عليه السّلام ولا بالسعي ، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه ، ولو أخر عنه لم يفد الاختصاص المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بأنه يبلغ في ذلك معه ما لا يبلغه مع غيره لعظيم شفقة الأب ، واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته ، واختلف العلماء في تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم : ثلاث عشرة سنة ، وبعضهم : سبع سنين ، ولذلك قيده بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في وسعه ، وهو لم يبلغ كمال السعي قالَ أي إبراهيم عليه السّلام : يا بُنَيَّ مناديا له بصيغة التعطف والشفقة والتحبب ، ذاكرا له بالمضارع الحال الذي رآه عليه ومصورا له ، لا لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ولا إلى التروي ، فإن اللّه تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض ، وأكد لما في طباع البشر من إحالة أن يقال ذلك على حقيقته ، وإعلاما بأنه منام وحي ولا أضغاث أحلام : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي أَنِّي أَذْبَحُكَ أي أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من اللّه تعالى ولذلك كان كما قال ، ولو عبر بالماضي لمضى وتم ، وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر جدا ليعلم وثوق الأنبياء عليهم السّلام بما يأتيهم عن اللّه في كل حال . ولما كان الأنبياء عليهم السّلام أشفق الناس وأنصحهم ، أحب أن يرى ما عنده ، فإن كان على ما يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى البلاء وهو أهون عليه ، ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده ، ولتكون المشاورة سنة ، فإنه « ما ندم من استشار » سبب عن ذلك قوله : فَانْظُرْ بعين بصيرتك ما ذا أي ما الذي تَرى أي في هذه الرؤيا ، فهو اختبار لصبره ، لا مؤامرة له قالَ تصديقا لثناء اللّه عليه بالحلم : يا أَبَتِ تأدبا معه بما دل على التعظيم والتوقير افْعَلْ ما تُؤْمَرُ أي كل شيء وقع لك به أمر من اللّه تعالى ويتجدد لك به أمر منه سبحانه لأني لا أتهمك في شفقتك وحسن نظرك ، ولا أتهم اللّه في قضائه ، والقصة دليل على وقوع الأمر بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر منه ، وقد تقدم ذلك في البقرة عند أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [ البقرة : 6 ] .