ابراهيم بن عمر البقاعي
317
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 71 إلى 75 ] وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ( 71 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 74 ) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ( 75 ) ولما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شديد المحبة لهداهم والحزن على ضلالهم ، والأسف على غيهم ومحالهم ، وكان الضلال مع العقل أولا ، ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانيا كالمحال ، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ * بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عليه السّلام إلا وكله أو جله ضلال . ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل ، نفى ذلك بقوله مؤكدا لنحو ذلك : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه من البيان فِيهِمْ مُنْذِرِينَ * أي فأنذروهم بأس اللّه وبينوا لهم أحسن البيان ، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال ، وعناد أهل الحق بالمحال ، حتى أهلكهم اللّه بما له من شديد المجال ، وهو معنى قوله : فَانْظُرْ أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم : انظر كَيْفَ ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلا قال : كانَ عاقِبَةُ أي آخر أمر الْمُنْذَرِينَ أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم ، فاصبر على الشدائد كما صبروا ، واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر اللّه . ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم ، نبه على حال الطائعين بقوله مستثنيا من ضمير المنذرين : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال ، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم الْمُخْلَصِينَ * أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوبا لغيره . ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص ، ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة الذين هم أنزه الخلق ، وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه اللّه من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيحوز مع فضلهم معالي الجهاد ، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريدا لنفسه من الشواغل سيرا إلى مولاه وتعريجا عن كل ما سواه ، وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى اللّه ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر