ابراهيم بن عمر البقاعي
312
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور ، وكان السرور لا يتم إلا بالمنادمة ، وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة ، تسبب عن ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في المقال : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ أي أهل الجنة بالكلام ، وأشار إلى أن مجرد الإقبال بالقصد يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال : عَلى بَعْضٍ أي لأجل الكلام الذي هو روح ذلك المقام ، وأما المواجهة فقد تقدم أنها دائمة ، وبين حال هذا الإقبال فقال : يَتَساءَلُونَ * أي يتحدثون حديثا بينا لا خفاء بشيء منه بما أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من أحوالهم التي خلصوا منها بعد أن كادت ترديهم ، وسماه سؤالا لأنه مع كونه أهلا لأن يسأل عنه - لا يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحدث أن يصغي إلى الحديث ، وعبر عنه بالماضي إعلاما بتحققه تحقق ما وقع . ولما تشوف السامع إلى سماع شيء منها يكون نموذجا للباقي ، أشار إلى ذلك بقوله مستأنفا : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي في هذا التساؤل ، وشتان ما بينه وبين ما مضى خبره من تساؤل أهل النار . ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث عنه فنجاه اللّه منه على خلاف الظاهر ، فكان ذلك إحدى النعم الكبرى ، نبه عليه بالتأكيد فقال : إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * أي جليس من الناس كأنه شيطان مبين يَقُولُ أي مكذبا بالبعث مستبعدا له غاية الاستبعاد مجددا لقوله في كل وقت ، يريد أن يختدعني بلطافة قياده إلى سوء اعتقاده : أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أي بالبعث - يوبخني بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي وإلهابا لنخوتي وحميتي ، ويكرر الإنكار بقوله : أَ إِذا مِتْنا أي فذهبت أرواحنا وَكُنَّا أي كونا راسخا تُراباً وَعِظاماً أي فانمحقت أجسامنا التي هي مراكب الأرواح أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ * أي لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بأن نبعث ونجازى ، وكان تأكيده للإشارة منه إلى أن كل عاقل جدير بأن يكذب بما أقررت به لبعده ، أو إلى أنه مكذب به ولو كان مؤكدا . ولما كان هذا المقال سببا لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده ، وكان أهل الجنة من علو المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ الأبصار بحيث ينظرون ما شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا ، استأنف قوله مشيرا إلى أن حاله هذا معلم أنه من أهل النار : قالَ أي هذا القائل لشربه هؤلاء الذين هم كما قال بعضهم في موشح : رب شرب كالعقد قد نظموا * في ثياب طرازها الكرم