ابراهيم بن عمر البقاعي

31

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وأعاد النافي نصا على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال : وَلا بَعْثُكُمْ كلكم إِلَّا كَنَفْسٍ أي كبعث نفس ، وبين الإفراد تحقيقا للمراد ، وتأكيدا للسهولة فقال : واحِدَةٍ فإن كلماته مع كونها غير نافدة نافذة ، وقدرته مع كونها باقية بالغة ، فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء ، لأنه لا يشغله شأن عن شأن ؛ ثم دل على ذلك بقوله مؤكدا لأن تكذيبهم لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه ومسمع : إِنَّ اللَّهَ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة سَمِيعٌ أي بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها عن غيره بَصِيرٌ * بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان والمعاني ، ومن كان كذلك كان محيط العلم بالغه شامل القدرة تامها ، فهو يبصر جميع الأجزاء من كل ميت ، ويسمع كل ما يسمع من معانيه ، فهو بإحاطة علمه وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء ، ويميز بعضها من بعض ، ويودعها تلك المعاني ، فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر . ولما قرر هذه الآية الخارقة ، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين ، مع دلالته على تسخير ما في السماوات والأرض ، وإبطال قولهم : ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] بأنه ، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك ، خاصا بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره ، أو عاما كل عاقل ، إشارة إلى أنه في دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال : أَ لَمْ تَرَ أي يا من يصلح لمثل هذا الخطاب ، ويمكن أن يكون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لا يعلم ذلك من المخلوقين حق علمه غيره . ولما كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه ، فكان إنكاره إنكارا لهذا ، نبه على ذلك بالتأكيد فقال : أَنَّ اللَّهَ أي بجلاله وعز كماله يُولِجُ أي يدخل إدخالا لا مرية فيه اللَّيْلَ فِي النَّهارِ فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه ، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح وَيُولِجُ النَّهارَ أي يدخله كذلك فِي اللَّيْلِ فيخفي حتى لا يبقى له أثر ؛ فإذا الليل قد طبق الآفاق : مشارقها ومغاربها في مثل الظرف ، فيميز سبحانه كلّا منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد اضمحلاله ، فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره ، ولما كان هذا معنى من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة ، عبر فيه بالمضارع . ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفا على طريق معلوم بقدر لا يختلف ، عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ آية للنهار بدخول الليل فيه