ابراهيم بن عمر البقاعي

307

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما قال لهم الرؤساء ما هو الحق من أمرهم مما أوجب الحكم باشتراكهم ، سبب عنه قوله تعالى مؤكدا دفعا لمن يتوهم اختصاص العذاب بالسبب : فَإِنَّهُمْ أي الفريقين بسبب ما ذكروا عن أنفسهم يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ كان هذا التقاول بينهم فِي الْعَذابِ أي الأكبر مُشْتَرِكُونَ * أي في أصله ، وهم مع ذلك متفاوتون في وصفه على مقادير كفرهم كما كانوا متشاركين في السبب متفاوتين في شدتهم فيه ولينهم - هذا وقد قال البخاري في صحيحه في تفسير حم السجدة : وقال المنهال عن سعيد : قال رجل لابن عباس رضي اللّه عنهما : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ * وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فقد كتموا في هذه الآية ، وقال : السَّماءُ بَناها إلى قوله : دَحاها فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى طائِعِينَ فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء ، وقال : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * عَزِيزاً حَكِيماً * سَمِيعاً بَصِيراً * فكأنه كان ثم مضى ، فقال : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، وأما قوله ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فإن اللّه يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول : لم نكن مشركين ، فنختم على أفواههم فتنطق أيديهم ، فعند ذلك عرف أن اللّه لا يكتم حديثا ، وعنده يود الذين كفروا - الآية ، وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض ، و دَحاها أي أخرج منها الماء والمرعى ، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين ، فذلك قوله دَحاها وقوله : خلق الأرض في يومين ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين ، وكان اللّه غفورا رحيما ، سمى نفسه ذلك ، وذلك قوله ، أي لم يزل كذلك ، فإن اللّه لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد ، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلّا من عند اللّه « 1 » . وقال في سورة المرسلات : وسئل ابن عباس رضي اللّه عنهما هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ فقال : إنه ذو ألوان ، مرة ينطقون ومرة يختم عليهم « 2 » .

--> ( 1 ) ظاهر صنيع المؤلف رحمه اللّه أن البخاري علّقه وليس كذلك بل أسنده عقب روايته له . أخرجه البخاري 3 / 337 والطبراني 10 / ( 10594 ) من نفس الطريق عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . ( 2 ) كذا هو في البخاري معلّقا 3 / 387 .