ابراهيم بن عمر البقاعي
293
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بكونها فيما دونها من الجو فبظن أنها فيها ، أو بكونها فيها من جانبها الذي يلينا ، أو بكونها تشف عنها وإن كان بعضها فيما هو أعلى منها ، وزينتها انتظامها وارتسامها على هذا النظم البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ما بين صغار وكبار ، منها ثوابت ومنها سيارة وشوارق وغوارب - إلى غير ذلك من الهيئات التي لا تحصى ، ولا حد لها عند العباد العجزة فيستقصى . ولما كان كون الشيء الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في العظمة ، قال دالّا بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن الزينة بالنجوم أمر مقصود لا اتفاقي : وَحِفْظاً أي زيناها بها للزينة وللحفظ مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ أي بعيد عن الخير محترق . ولما كان القصد التعميم في الحفظ عن كل عات سواء كان بالغا في العتو أو لا قال : مارِدٍ * أي مجرد عن الخير عات في كل شر سواء كان بالغا في ذلك أقصى الغايات أو كان في أدنى الدرجات كضارب وضراب . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 8 إلى 13 ] لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ( 11 ) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ( 12 ) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ( 13 ) ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه شرا لبس ، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد الإخفاء به ، عبر بالمريد للمبالغة ، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف ، فإذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم . ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته ، استأنف قوله : لا يَسَّمَّعُونَ أي الشياطين المفهومون من كل شيطان ، لا يتجدد لهم سمع أصلا ، قال ابن الجوزي : قال الفراء : لا هنا كقوله « كذلك سلكنه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به » ويصلح في لا على هذا المعنى الجزم ، والعرب تقول : ربطت في شيء لا ينفلت - انتهى . ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظرا إلى المعنى ، والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من الجمع ، وأن الخطف يكون - إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا الجمع ، وللكلمة وما في حكمها لا أكثر ، وإليه يشير حديث الصحيح « تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني » وأكد بعدهم بإثبات حرف الغاية ، فقال مضمنا ( سمع ) بعد قصره معنى « انتهى » أو « أصغى » ليكون المعنى : لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو إصغاؤهم إِلَى الْمَلَإِ أي الجمع العظيم الشريف ،