ابراهيم بن عمر البقاعي
288
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بصيغة فعيل فقيل : الْعَلِيمُ * أي البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة ، فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب . ولما تقرر ذلك ، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث : إِنَّما أَمْرُهُ أي شأنه ووصفه إِذا أَرادَ شَيْئاً أي إيجاد شيء من جوهر أو عرض أيّ شيء كان أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ أي أن يريده ؛ ثم عطف على جواب الشرط على قراءة ابن عامر والكسائي بالنصب ، واستأنف على قراءة غيره بالرفع بقوله : فَيَكُونُ * أي من غير مهلة أصلا على وفق ما أراد . ولما كان ذلك ، تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال : فَسُبْحانَ أي تنزه عن كل شائبة نقص تبزها لا تبلغ أفهامكم كنهه ، وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال : الَّذِي بِيَدِهِ أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ أي ملكه التام وملكه ظاهرا وباطنا . ولما كان التقدير : فمنه تبدؤون ، عطف عليه قوله : وَإِلَيْهِ أي لا إلى غيره من التراب أو غيره ، ولفت القول إلى خطابهم استصغارا لهم واحتقارا فقال : تُرْجَعُونَ * أي معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم ، فيدخل بعضا النار وبعضا الجنة ، ونبهت قراءة الجماعة بالبناء للمفعول على غاية صغارهم بكون الرجوع قهرا وبأسهل أمر ، وزادت قراءة يعقوب بالبناء للفاعل بأن انقيادهم في الرجوع من شدة سهولته عليه كأنه ناشىء عن فعلهم بأنفسهم اختيارا منهم ، فثبت أنه سبحانه على كل شيء قدير ، فثبت قطعا أنه حكيم ، فثبت قطعا أنه لا إله إلا هو ، وأن كلامه حكيم ، وثبت بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد بالعقاب ، فثبت أنه أرسل الرسل للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه ، فثبت أنه أرسل هذا النبي الكريم لما أيده به من المعجزات ، وأظهره على يده من الأدلة الباهرات ، فرجع آخر السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها ، واتصل في كلا الأمرين مفصلها بموصلها ، واللّه الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب .