ابراهيم بن عمر البقاعي
268
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أي أن يوجدوا الوصية في شيء من الأشياء ، والاستفعال والتفعيل يدلان على أن الموت ليس حين سماع أول الصوت بل عقبه من غير مهلة لتمام أمر ما . ولما كان ذلك ليس نصّا في نفي المشي قال : وَلا إِلى أَهْلِهِمْ أي فضلا عن غيرهم يَرْجِعُونَ * بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجأه الصيحة ، وربنا أفهم التعبير ب « إلى » أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها ، وفي الحديث « ليقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبيعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها » . ولما دل ذلك على الموت قطعا ، عقبه بالبعث ، ولذلك عبر فيه بالنفخ فإنه معروف في إفاضة الروح فقال : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي الذي أخذتهم صيحته ، وجهله إشارة إلى أنه لا توقف له في نفس الأمر على نافخ معين ليكون عنه ما يريد سبحانه من الأثر ، بل من أذن له اللّه كائنا من كان تأثر عن نفخه ما ذكر ، وإن كنا نعلم أن المأذون له إسرافيل عليه السّلام . ولما كان هذا النفخ سببا لقيامهم عنده سواء من غير تخلف ، عبر سبحانه بما يدل على التعقب والتسبب والفجاءة فقال : فَإِذا هُمْ أي في حين النفخ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ إِلى رَبِّهِمْ أي الذي أحسن إليهم بالتربية والتهيئة لهذا البعث فكفروا إحسانه ، لا إلى غيره يَنْسِلُونَ * أي يسرعون المشي مع تقارب الخطى بقوة ونشاط ، فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة ، حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى ، كأنه ركب فيه من الأسرار أنه يكسب كل شيء ضد ما هو عليه من حياة أو موت أو غشي أو إفاقة . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 52 إلى 56 ] قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) . ولما تشوفت النفس إلى سماع ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون ، استأنف قوله : قالُوا أي الذين هم من أهل الويل من عموم الذين قاموا بالنفخة وهم جميع من كان قد مات قبل ذلك . ولما كانوا عالمين بأن جزاء ما أسلفوا كل خزي ، أتبعوه قولهم حاكيا سبحانه عبارتهم إذ ذاك لأنه أنكى لهم : يا وَيْلَنا أي ليس بحضرتنا اليوم شيء ينادمنا إلا الويل ، ثم استفهموا جريا على عادتهم في الغباوة فقالوا مظهرين