ابراهيم بن عمر البقاعي
244
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ألفا ، وهو في الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي اللّه عنه أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر عدد الرسل فقط ، وكانت عقول العرب لا تسع بوجه قبل الإيمان أنهم منه ، أقسم سبحانه ظاهرا أنه منهم ورمزا للأصفياء باطنا إلى أنهم منه ، بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رمز إليه بالحرفين أول السورة ، فكأنه قال : إنك يا ياسين الذي تأويله محمد الذي عدد أسماء حروفه بعددهم لأصلهم ، فصار رمزا في رمز ، وكنزا نفيسا داخل كنز ، وسرا من سر ، وبرا إلى بر ، وهو أحلى في منادمة الأحباب من صريح الخطاب ، ثم علق باسم المفعول قوله : عَلى صِراطٍ أي طريق واسع واضح مُسْتَقِيمٍ * أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه ، وهو الصراط المستقيم الأكمل المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله تعالى في حق موسى وهارون عليهما السّلام وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فيكون تنوينه - بما أرشد إليه القسم والتأكيد - للتعظيم ، والمعنى أنهم قد ثبت لهم هذا الوصف العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة ، فليس لأحد أن يخصك من بينهم بالتكذيب . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه ، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء ، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدراكها ، واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود حراكها ، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات ، واصطفاه لإيضاح تلك البينات ، فقال تعالى يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ثم قال لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار ، ويبعثه التيقظ بالتذكار ؛ ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسببا عن الطبع وشر السابقة لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ الآيات ؛ ثم أشار بعد إلى أن بعض من عمي عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان الأمر فقال وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ - الآيات ، واتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ الآية ، ثم قال وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها إلى قوله : أَ فَلا تشكرون ثم قال وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ثم قال وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ إلى قوله : إِلى حِينٍ ثم