ابراهيم بن عمر البقاعي
234
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
معاند منهم أو من غيرهم ، وكان الناس قد توصلوا إلى معرفة شيء من التغيرات الفلكية كالشروق والغروب والخسوف ، وكانوا لا علم لهم بشيء من الزلازل والزوال ، قال مبينا عظمته سبحانه بعد تحقير أمر شركائهم معجزا مهددا لهم على إقدامهم على هذا الافتراء العظيم مبينا للنعمة بعدم المعاجلة بالهلاك ، وأكده لأن من الناس المكذب به وهم المعطلة ، ومنهم من عمله - وإن كان مقرا - عمل المكذب وهو من ينكر شيئا من قدرته كالبعث : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال يُمْسِكُ السَّماواتِ أي على كبرها وعلوها وَالْأَرْضَ أي على سعتها وبعدها عن التماسك على ما يشاهدون إمساكا مانعا من أَنْ تَزُولا * أي بوجه عظيمة وزلزلة كبيرة ، أو زوالا لا تماسك معه لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته ، فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه . ولما كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان ، أتبعه ما هو أبين منه ، فقال معبرا بأداة الإمكان : وَلَئِنْ زالَتا أي بزلزلة أو خراب إِنْ أي ما أَمْسَكَهُما وأكد استغراق النفي بقوله : مِنْ أَحَدٍ ولما كان المراد أن غيره سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من الأزمان وإن قل ، أثبت الجار فقال : مِنْ بَعْدِهِ أي بعد إزالته لهما ، بل وإذا زلزلت الأرض اضطرب كل شيء عليها والأصنام من جملته ، فدل ذلك قطعا على أن الشركاء مفعولة لا فاعلة . ولما كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى الترهيب ، وكان كأنه قيل : هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من الآثام وشديد الإجرام ، قال جوابا لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه المبطلون على عظمه وكثرتهم مما لا تسعه العقول : إِنَّهُ كانَ أي أزلا وأبدا حَلِيماً أي ليس من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرص ، ورغب في الإقلاع مشيرا إلى أنه ليس عنده ما عند حلماء البشر من الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد طول الأناة لا يغفرون بقوله : غَفُوراً * أي محاء لذنوب من رجع إليه ، وأقبل بالاعتراف عليه ، فلا يعاقبه ولا يعاتبه . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 42 ) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ( 43 )