ابراهيم بن عمر البقاعي
230
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
نفعه واستعملوه عند فواته فلم ينفعهم ، بل قيل في جوابهم تقريرا لهم وتوبيخا وتقريعا : أَ وَلَمْ أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين من ذلك بالعقول والقوى ؟ أو لم نُعَمِّرْكُمْ أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ ما أي زمانا يَتَذَكَّرُ فِيهِ وما يشمل كل عمر يتمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم ، وأشار بمظهر العظمة إلى أنه لا مطمع بغيره سبحانه في مد العمر . ولما كان التفكر بعد البعث غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء ، عبر بالماضي فقال : مَنْ تَذَكَّرَ إعلاما بأنه قد ختم على ديوان المتذكرين ، فلا يزاد فيهم أحد ، والزمان المشار إليه قيل : إنه ستون سنة - قاله ابن عباس رضي اللّه عنهم ، وبوّب له البخاري في أوائل الرقاق من غير عزو إلى أحد « 1 » ، وروى أحمد بن منيع عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : من عمره اللّه ستين سنة فقد أعذر اللّه إليه في العمر « 2 » . وروى الترمذي وابن ماجة وأبو يعلى عن أبي هريرة أيضا رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين . وأقلهم من يجوز ذلك « 3 » . ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ودواما ، أشار إلى أدلة النقل المنبه على ما قصر عنه العقل ، فقال معبرا بالماضي تصريحا بالمقصود عطفا على معنى : أو لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم : وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي عنى من الرسل والكتب تأييدا للعقول بالدليل المعقول . ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال : فَذُوقُوا أي ما أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا ، ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع إلى الاستغاثة عليه ، تسبب عن ذلك قوله : فَما وكان الأصل : لكم ، ولكنه أظهر تعليقا للحكم بالوصف للتعميم فقال : لِلظَّالِمِينَ أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها مِنْ نَصِيرٍ * أي يعينهم ويقوي أيديهم ، فلا براح لكم عن هذا الذواق ، وهذا عام في كل
--> ( 1 ) الباب الخامس من الرقائق . ( 2 ) أخرجه البخاري 6419 فأبعد المؤلف رحمه اللّه إذ خرّجه من مسند أحمد بن منيع والعجب أنه تحت الباب المذكور آنفا ، وأخرجه أحمد 2 / 417 و 405 و 275 والبيهقي 3 / 370 وابن حبان 4979 والبغوي 4032 وغيرهم كثير عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه الترمذي 3550 و 2331 وابن ماجة 4236 والحاكم 2 / 427 والبيهقي 3 / 370 والقضاعي 252 و 251 وابن حبان 2980 والخطيب في تاريخه 6 / 397 و 5 / 476 والرامهرمزي في الأمثال ص 61 عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه ، والحديث حسن بمجموع الطرق .