ابراهيم بن عمر البقاعي

220

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

من قص أخباره منهم عند العرب شهيرا ، وكان على وجوه من النكال معجبة ، سبب عنه السؤال بقوله : فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ * أي إنكاري عليهم ، أي أنه إنكار يجب السؤال عن كيفيته لهوله وعظمه ، والمعنى كما قال القشيري : ولئن أصروا على سنتهم في الغي فلن تجد لسنتنا تبديلا في الانتقام والخزي . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 27 إلى 29 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ( 27 ) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 ) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 ) ولما كان من أغرب الأشياء الدالة على تمام القدرة الدال على الوحدانية أن يكون شيء واحد سببا لسعادة قوم وهداهم ، وشقاوة قوم وضلالهم وعماهم وكان ذلك ، أمرا دقيقا وخطبا جليلا ، لا يفهمه حق فهمه إلا أعلى الخلائق ، ذكر المخاطب بهذا الذكر ما يشاهد من آيته ، فقال على طريق الاستخبار لوصول المخاطب إلى رتبة أولي الفهم بما ساق من ذلك سبحانه على طريق الإخبار في قوله : « اللّه الذي أرسل الريح » ولفت القول إلى الاسم الأعظم دلالة على عظمة ما في حيزه : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي التي لا يصعد إليها الماء ولا يستمسك عن الهبوط منها في غير أوقاته إلا بقدرة باهرة لا يعجزها شيء ماءً أي لا شيء يشابهه في مماثلة بعضه لبعض ، فلا قدرة لغيره سبحانه على تمييز شيء منه إلى ما يصلح لشيء دون آخر . ولما كان أمرا فائتا لقوى العقول ، نبه عليه بالالتفات إلى مظهر العظمة فقال : فَأَخْرَجْنا أي بما لنا من العظمة بِهِ أي الماء من الأرض ثَمَراتٍ أي متعددة الأنواع مُخْتَلِفاً أَلْوانُها أي ألوان أنواعها وأصنافها وهيئاتها وطبائعها ، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى لآخر . ولما ذكر تنوع ما عن الماء وقدمه لأنه الأصل في التلوين كما أنه الأصل في التكوين ، أتبعه التلوين عن التراب الذي هو أيضا شيء واحد ، فقال ذاكرا ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التأثر وقطعه عن الأول لأن الماء لا تأثير له فيه : وَمِنَ أي ومما خلقنا من الْجِبالِ جُدَدٌ أي طرائق وعلامات وخطوط متقاطعة بِيضٌ وَحُمْرٌ