ابراهيم بن عمر البقاعي
218
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
للكافرين في صعوبة الموت وسهولته والبلى وغيره مما يخفى ولا يقر به الكفار من الشقاوة والسعادة . ولما كان ما ذكر على هذا الوجه - من وضوح الدلالة على الفعل بالاختيار وعلى ضلال من أشرك به شيئا لأنه لا يشابهه شيء - بمكان ليس معه خفاء ، ومن الإحكام بحيث لا يدانيه كلام يعجب السامع ممن يأباه ، فقال مزيلا عجبه مقررا أن الخشية والقسوة إنما هما بيده ، وأن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه ، مسليا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مؤكدا ردا على من يرى لغيره سبحانه فعلا من خير أو شر : إِنَّ اللَّهَ أي القادر على المفاوتة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة بصفات الكمال ، وعبر بالفعل إشارة إلى القدرة على ذلك في كل وقت أراده سبحانه فقال : يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ أي فيهديه ولو لم يكن له قابلية في العادة كالجمادات ، ويصم من يشاء فيعميه وينكسه ويرديه من أحياء القلوب والأرواح ، وأموات المعاني والأشباح ، والمعنى أن إسماعهم لو كان مستندا إلى الطبائع لاستووا إما بالإجابة أو الإعراض لأن نسبة الدعوة وإظهار المعجزة إليهم على حد سواء ، فالآية تقرير آية إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ . ولما كان المعرض قد ساوى الميت في حاله التي هي عدم الانتفاع بما يرى ويسمع من الخوارق ، فكان كأنه ميت ، قال معبرا بالاسمية تنبيها على عدم إثبات ذلك له صلّى اللّه عليه وسلّم : وَما أَنْتَ أي بنفسك من غير إقدار اللّه لك ، وأعرق في النفي فقال : بِمُسْمِعٍ أي بوجه من الوجوه مَنْ فِي الْقُبُورِ * أي الحسية والمعنوية ، إسماعا ينفعهم بل اللّه يسمعهم إن شاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، والآية دليل على البعث . ولما كان هذا خاصة الإله ، أشار إلى نفيه عنه مقتصرا على وصف النذارة ، إشارة إلى أن أغلب الخلق موتى القلوب ، فقال مؤكدا للرد على من يظن أن النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا بإقداره إِنْ أي ما أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * أي تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ، ولست بوكيل يقهرهم على الإيمان . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم نبي الرحمة ، وكان الاقتصار على هذا الوصف ربما أوهم غير ذلك ، أتبعه قوله بيانا لعظمته صلّى اللّه عليه وسلّم بالالتفات إلى مظهر العظمة لأن عظمة الرسول من عظمة المرسل فنذارته رحمة : إِنَّا أي بما لنا من العظمة أَرْسَلْناكَ أي إلى هذه الأمة إرسالا مصحوبا بِالْحَقِّ أي الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع ، فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيته من الدلائل علم مطابقة الواقع لما تأمر به ، والتقدير بالمصدر