ابراهيم بن عمر البقاعي

211

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تطلبون أن تخرجوا من الملح دون العذب وتوجدون ذلك للإخراج ، قال البغوي : وقيل : نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الملح عيون عذبة تمتزج به فيكون اللؤلؤ من ذلك . حِلْيَةً تَلْبَسُونَها أي نساؤكم من الجواهر : الدر والمرجان وغيرهما ، فما قضى برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار . ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب ، ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمرا غريبا ، لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم بإدراك أنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر ، خص بالخطاب فقال : وَتَرَى الْفُلْكَ ، أي السفن تسمى فلكا لدورانه وسفينة لقشره الماء ، وقدم الظرف لأنه أشد دلالة على ذلك فقال : فِيهِ أي كل منهما غاطسة إلا قليلا منها . ولما تم الكلام ، ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال : مَواخِرَ أي جواري مستدبرة الريح شاقة للماء خارقة للهواء بصدرها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة ؛ قال البخاري في باب التجارة في البحر : وقال مجاهد : تمخر السفن الريح ، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام « 1 » ؛ وقال صاحب القاموس : مخرت السفينة كمنع مخرا ومخورا : جرت أو استقبلت الريح في جريتها ، والفلك المواخر التي يسمع صوت جريها أو تشق الماء بجآجئها أو المقبلة والمدبرة بريح واحدة ، وفي الحديث : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح ، وفي لفظ : استمخروا الريح « 2 » ، أي اجعلوا ظهوركم إلى الريح فإنه إذا ولاها شقها بظهره فأخذت عن يمينه ويساره ، وقد يكون استقبالها تمخرا غير أنه في الحديث استدبار - انتهى كلام القاموس . ثم علق بالمخر معللا قوله : لِتَبْتَغُوا أي تطلبوا طلبا شديدا . ولما تقدم الاسم الأعظم في الآية قبلها ، أعاد الضمير عليه ليعلم شدة ارتباط هذه الآية بالتي قبلها فقال : مِنْ فَضْلِهِ أي اللّه بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ، وفي سورة الجاثية ما ينفع هنا وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أي ولتكون حالكم بهذه النعم الدالة على عظيم قدرة اللّه ولطفه حال من يرجى شكره . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 13 إلى 17 ] يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 ) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( 14 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 16 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 17 )

--> ( 1 ) انظر كتاب البيوع في الباب المذكور 3 / 9 . ( 2 ) ذكره أبو عبيد الهروي في غريب الحديث من قول مولى ابن عيينة وانظر التلخيص 1 / 107 وهذا يعني أن ابن حجر ومخرجي الرافعي لم يجدوه واللّه تعالى أعلم .