ابراهيم بن عمر البقاعي
203
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فقال منبها لمن غفل ، وموبخا لمن جحد ، ورادا على أهل القدر الذين ادعوا أنهم يخلقون أفعالهم ، ومنبها على نعمة الإيجاد الأول : هَلْ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي أكده ب مِنْ فقال : مِنْ خالِقٍ أي للنعم وغيرها ، ولما كانت مِنْ للتأكيد ، فكان خالِقٍ في موضع رفع ، قرأ الجمهور قوله : غَيْرُ اللَّهِ بالرفع ، وجره حمزة والكسائي على اللفظ ، وعبر بالجلالة إشارة إلى أنه المختص بصفات الكمال . ولما كان الجواب قطعا : لا ، بل هو الخالق وحده ، قال منبها على نعمة الإبقاء الأول : يَرْزُقُكُمْ أي وحده . ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال : مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بالمطر والنبات وغيرهما . ولما بين أنه الرزاق وحده انقطع أمل كل أحد من غيره حتى من نفسه فحصل الإخلاص فتعين أنه سبحانه الإله وحده فقال : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فتسبب الإنكار على من عبد غيره ظاهرا أو باطنا فقال : فَأَنَّى أي فمن أيّ وجه وكيف تُؤْفَكُونَ * أي تصرفون وتقلبون عن وجه السداد في التوحيد بهذه الوجوه الظاهرة إلى الشرك الذي لا وجه له . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 4 إلى 6 ] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 4 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 5 ) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) ولما قررهم على ما تقدم وختم بالتوحيد الذي هو الأصل الأول من أصول الدين ، نبه على أنه المقصود بالذات بذكر ما يعقبه في الأصل الثاني ، وهو الرسالة من تصديق وتكذيب ، فقال ناعيا على قريش سوء تلقيهم لآياته ، وطعنهم في بيناته ، مسليا له صلّى اللّه عليه وسلّم ، عاطفا على ما تقديره : فإن يصدقوك فهم جديرون بالتصديق لما قام على ذلك من الدلائل ، وشهد به من المقاصد والوسائل : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي عنادا وقلة اكتراث بالعواقب فتأسّ بإخوانك فَقَدْ أي بسبب أنه قد كُذِّبَتْ رُسُلٌ أي يا لهم من رسل ! وبني الفعل للمجهول لأن التسلية محطها ، وقوع التكذيب لا تعيين المكذب ، ونفى أن يرسل غيره بعد وجوده بقوله : مِنْ قَبْلِكَ وأفرد التكذيب بالذكر اهتاما بالتسلية تنبيها على أن الأكثر يكذب ، قال القشيري : وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، وأهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية ، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتقشفين . ولما كان التقدير نفيا للتعجب من التكذيب الجاري على غير قياس صحيح : فمن اللّه الذي لا أمر لأحد معه تصدر الأمور ، عطف عليه قوله مهددا لمن خالف أمره :