ابراهيم بن عمر البقاعي

181

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

والجبال أمرت بالسير معك ذهبا وفضة ، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها ، والضب شهد لك ، والجمل شكا إليك وسجد لك ، والأشجار أطاعتك ، والأحجار سلمت عليك وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية - واللّه أعلم ، وأما الجن فحالهم مشهور ، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور ، وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن هذه الآية دليل على فضل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن . ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار ، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون ، قال : بَشِيراً وَنَذِيراً أي لمن أهل للبشارة أو النذارة . ولما كان هذا الإرسال مقرونا بدليله من الإتيان بالمعجز من نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك ، قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه ولا شبهة تصوب إليه في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله الذي هو أوضح من الشمس دليلا ، وأقوم كل قيل قيلا : وَلكِنَّ ولما كان الناس الأولين كل من دية قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص ، أظهر مريدا الثقلين من الجن والإنس فقال : فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا أنك رسول اللّه فضلا عن أن إرسالك عام ، بل هم كالأنعام ، فهم لذلك لا يتأملون فيقولون « افترى أم به جنة » ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من الحكمة والصواب مع الإعجاز ، في حالي الإطناب والإيجاز ، والإضمار والإبراز ، فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض . ولما سلب عنهم العلم ، أتبعه دليله ، فقال معبرا بصيغة المضارعة الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد : وَيَقُولُونَ أي ما أرسلناك إلى علي هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلا منهم بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين في وجه الخلاص منه والتفصي عنه في كل حين استهزاء منهم : مَتى هذَا الْوَعْدُ أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعدا زيادة في الاستهزاء . ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول ، وأبعد عن الرد من قول الواحد ، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله : إِنْ كُنْتُمْ أي أيها النبي وأتباعه ! كونا أنتم عريقون فيه صادِقِينَ * أي متمكنين في الصدق . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 30 إلى 33 ] قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ( 30 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ( 31 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ( 32 ) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 33 )