ابراهيم بن عمر البقاعي
17
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إلى أنه ليس مطلقا فقال : وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا أي في أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دامت حياتهما . ولما كان المبنى على النقصان عاجزا عن الوفاء بجميع الحقوق ، خفف عليه بالتنكير في قوله : مَعْرُوفاً أي ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والاحتمال وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم ، قال ابن ميلق : ويلوح من هذه المشكاة تعظيم الأشياخ الذين كانوا في العادة سببا لإيجاد القلوب في دوائر التوحيد العلمية والعملية - يعني ففي سوق هذه الوصية هذا المساق أعظم تنبيه على أن تعظيم الوسائط من الخلق ليس مانعا من الإخلاص في التوحيد ، قال ابن ميلق : ومن هنا زلت أقدام أقوام تعمقوا في دعوى التوحيد حتى أعرضوا عن جانب الوسائط فوقعوا في الكفر من حيث زعموا التوحيد ، فإن تعظيم المعظم في الشرع تعظيم لحرمات اللّه ، وامتثال لأمر اللّه ، ولعمري إن هذه المزلة ليتعثر بها أتباع إبليس حيث أبى أن يسجد لغير اللّه ، ثم قال ما معناه : وهؤلاء قوم أعرضوا عن تعظيم الوسائط زاعمين الغيرة على مقام التوحيد ، وقابلهم قوم أسقطوا الوسائط جملة وقالوا : إنه ليس في الكون إلا هو ، وهم أهل الوحدة المطلقة ، والكل على ضلال ، والحق الاقتصاد والعدل في إثبات الخالق وتوحيده ، وتعظيم من أمر بتعظيمه من عبيده . ولما كان ذلك قد يجر إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة ، نفى ذلك بقوله : وَاتَّبِعْ أي بالغ في أن تتبع سَبِيلَ أي دين وطريق مَنْ أَنابَ أي أقبل خاضعا إِلَيَّ لم يلتفت إلى عبادة غيري ، وهم المخلصون من أبويك وغيرهما ، فإن ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد اللّه والإخلاص له ، وفي هذا حث على معرفة الرجال بالحق ، وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة ، فمن كان عمله موافقا لها اتبع ، ومن كان عمله مخالفا لهما اجتنب . ولما كان التقدير : فإن مرجع أموركم كلها في الدنيا إليّ ، عطف عليه قوله : ثُمَّ إِلَيَّ أي في الآخرة ، لا إلى غيري مرجعك - هكذا كان الأصل ، ولكنه جمع لإرادة التعميم فقال معبرا بالمصدر الميمي الدال على الحدث وزمانه ومكانه : مَرْجِعُكُمْ حسا ومعنى ، فأكشف الحجاب فَأُنَبِّئُكُمْ أي أفعل فعل من يبالغ في التنقيب والإخبار عقب ذلك وبسببه ، لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وإن كان تعقيب كل شيء بحسب ما يليق به بِما كُنْتُمْ بما هو لكم كالجبلة تَعْمَلُونَ * أي تجددون عمله من صغير وكبير ، وجليل وحقير ، وما كان في جبلاتكم مما لم يبرز إلى الخارج ، فأجازي من أريد ، وأغفر لمن أريد ، فأعد لذلك عدته ، ولا تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب