ابراهيم بن عمر البقاعي

164

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر القصور وزينتها ، ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد الاستقرار في المسكن فقال : وَجِفانٍ أي صحاف وقصاع يؤكل فيها كَالْجَوابِ جمع جابية ، وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء ، أي يجمع قيل : كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل . ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم ، ذكر ما يطبخ فيه طعامها فقال : وَقُدُورٍ راسِياتٍ أي ثابتات ثباتا عظيما بأن لا ينزع عن أثافيها لأنها لكبرها كالجبال . ولما ذكر المساكن وما تبعها ، أتبعها الأمر بالعمل إشارة إلى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تبعه لا يلهيهم ذلك عن العبادة فقال : اعْمَلُوا أي وقلنا لهم : تمتعوا واعملوا ، دل على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل فقال : آلَ داوُدَ أي كل ما يقرب إلى اللّه شُكْراً أي لأجل الشكر له سبحانه ، وهو تعظيمه في مقابلة نعمه ليزيدكم من فضله أو النصب على الحال أي شاكرين ، أو على تقدير : اشكروا شكرا ، لأن « اعْمَلُوا » فيه معنى « اشكروا » من حيث إن العمل للمنعم شكر له ، ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولا بهم ومعناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا - على طريق المشاكلة وَقَلِيلٌ أي قلنا ذلك والحال أنه قليل . ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها بالمبالغة في الشكر أليق ، اسقط مظهرها فقال : مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ * أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم اللّه عليه فيما يرضيه ، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير ، وأقل ذلك حال الاضطرار . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 14 إلى 16 ] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود ، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيههم على مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله : فَلَمَّا بالفاء ، ولذلك عاد إلى مظهر الجلال فقال : قَضَيْنا وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال : عَلَيْهِ أي سليمان عليه السّلام الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ أي