ابراهيم بن عمر البقاعي
156
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الجواب : ليس به شيء من ذلك ، عطف عليه مخبرا عن بعض الذين كفروا بما يوجب ردع البعض الآخر قوله : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أي لا يجددون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر بِالْآخِرَةِ أي الفطرة الآخرة التي أدل شيء عليها الفطرة الأولى . ولما كان هذا القول مسببا عن ضلالهم ، وكان ضلالهم سببا لعذابهم ، قدم العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد اللّه إيمانه فقال : فِي الْعَذابِ أي في الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد اللّه إتمامه ، وفي الآخرة بما فيه من المعصية ، وأتبعه سببه فقال : وَالضَّلالِ أي عما يلزم من وجوب وحدانيته وشمول قدرته بسبب أن له ما في السماوات وما في الأرض . ولما كان قولهم بعيدا من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال ، وكان الضلال يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة الشاسعة ، قال واصفا له بوصف الضال : الْبَعِيدِ * فبين الوصف أنه لا يمكن الانفكاك عنه ، وعلم أن من الذين كفروا قسما لم يطبعوا على الكفر ، فضلوا ضلالا قريبا يمكن انفكاكهم عنه ، وهم الذين آمنوا منهم بعد ، وهو من بديع القول حيث عبر بهذا الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان حقه : بل هم في كذا . ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا يمكن إعادته ، فقطعوا جهلا بأن اللّه تعالى لا يقول ذلك ، فنسبوا الصادق صلّى اللّه عليه وسلّم في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين : تعمد الكذب أو الجنون . شرع سبحانه يدل على صدقه في جميع ما أخبر به ، فبدأ بإثبات قدرته على ذلك بما يشاهدون من قدرته على ما هو مثله ، أو أعظم منه ، مشيرا إلى أن إنكارهم لذلك مستند إلى ضلالهم بسبب غفلتهم عن تدبر الآيات ، فكان المعنى : ضلوا فلم يروا ، فدل عليه منكرا عليهم مهددا لهم مقررا لذوي العقول من السامعين بقوله : أَ فَلَمْ يَرَوْا ونبه على أنهم في محل بعد عن الإبصار النافع بحرف النهاية فقال : إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي أمامهم وَما خَلْفَهُمْ وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كل من الخافقين وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم . ولما لم تدع حاجة إلى الجمع أفرد فقال : مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي اللذين جعلنا مطلع السورة أن لنا كل ما فيهما . ولما كان الإنكار لائقا بمقام العظمة ، فكان المعنى : إنا نفعل بهما وفيهما ما نشاء ، عبر عنه بقوله : إِنْ نَشَأْ بما لنا من العظمة - على قراءة الجمهور نَخْسِفْ أي تغور بِهِمُ وأدغم الكسائي إلى أنه سبحانه قد يفعل ذلك في أسرع من اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله على وجه الوضوح وهو أكثر - بما أشارت إليه قراءة