ابراهيم بن عمر البقاعي

15

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ما أوصاه به في حقنا - هكذا كان الأصل ، ولكنه عبر بما يشمل غيره فقال : الْإِنْسانَ أي هذا النوع على لسان أول نبي أرسلنا وهلم جرا وبما ركزناه في كل فطرة من أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان بِوالِدَيْهِ فكأنه قال : إن لقمان عرف نعمتنا عليه وعلى أبناء نوعه لوصيتنا لأولادهم بهم فشكرنا ولقن عنا نهيهم بذلك عن الشرك لأنه كفران لنعمة المنعم ، فانتهى في نفسه ونهى ولده ، فكان بذلك حكيما . ولما كانت الأم في مقام الاحتقار لما للأب من العظمة بالقوة والعقل والكد عليها وعلى ولدها ، نوه بها ونبه على ما يختص به من أسباب وجود الولد وبقائه عن الأب مما حصل لها من المشقة بسببه وما لها إليه من التربية . فقال معللا أو مستأنفا : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً أي حال كونها ذات وهن تحمله في أحشائها ، وبالغ بجعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف بتضاعفه كلما أثقلت عَلى وَهْنٍ أي هو قائم بها من نفس خلقها وتركيبها إلى ما يزيدها التمادي بالحمل ، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئا بقوله : وَفِصالُهُ أي فطامه من الرضاعة بعد وضعه . ولما كان الوالدان يعدان وجدان الولد من أعظم أسباب الخير والسرور ، عبر في أمره بالعام الذي تدور مادته على السعة لذلك وترجية لهما بالعول عليه وتعظيما لحقهما بالتعبير بما يشير إلى صعوبة ما قاسيا فيه باتساع زمنه فقال : فِي عامَيْنِ تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا للّه تعالى ، وفي التعبير بالعام أيضا إشارة إلى تعظيم منتهاه بكونها تعد أيام رضاعه - مع كونها أضعف ما يكون في تربيته - أيام سعة وسرور ، والتعبير ب « في » مشير إلى أن الوالدين لهما أن يفطماه قبل تمامهما على حسب ما يحتمله حاله ، وتدعو إليه المصلحة من أمره . ولما ذكر الوصية وأشار إلى أمهات أسبابها ، ذكر الموصى به فقال مفسرا ل « وَصَّيْنَا » : أَنِ اشْكُرْ ولما كان الشكر منظورا إليه أتم نظر ، قصر فعله ، أي أوجد هذه الحقيقة ولتكن من همك . ولما كان لا بد له من متعلق ، كان كأنه قال : لمن ؟ فقال مقدما ما هو أساس الموصى به في الوالدين ليكون معتدا به ، لافتا القول إلى ضمير الواحد من غير تعظيم تنصيصا على المراد : لِي أي لأني المنعم بالحقيقة وَلِوالِدَيْكَ لكوني جعلتهما سببا لوجودك والإحسان بتربيتك ، وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة الحكمة إشارة إلى أنه أتم الموجودات حكمة قال الرازي في آخر سورة الأحزاب من لوامعه : الموجودات كلها كالشجرة ، والإنسان ثمرتها ، وهي كالقشور والإنسان لبابها ، وكالمبادىء والإنسان كمالها ، ومن أين للعالم ما للإنسان ؟ بل العالم