ابراهيم بن عمر البقاعي

141

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 72 إلى 73 ] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) ولما كان التقدير : ومن لم يطع فقد خسر خسرانا مبينا ، وكان كل شيء عرض على شيء فالمعروض عليه متمكن من المعروض قادر عليه ، وكان كل شيء أودعه اللّه شيئا فحفظه ورعاه وبذله لأهله وآتاه باذلا للأمانة غير حامل لها . وكل من أودعه شيئا فضيعه وضمن به عن أهله ومنعه عن مستحقه خائن فيه حامل له ، وكان اللّه تعالى قد أودع الناس من العقول ما يميزون به بين الصحيح والفاسد ، ومن القوى الظاهرة ما يصرفونه فيما أرادوا من المعصية والطاعة ، فمنهم من استدل بعقله على كل من المحق والمبطل فبذل له من قواه ما يستحقه ، فكان باذلا للأمانة غير حامل لها ، ومنهم من عكس ذلك وهم الأكثر فكان حاملا لها خائنا فيها أمر به من بذلها ، وأودع سبحانه الأكوان ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والنباتات فبذلته ولم تمنعه من أحد طلبه مع أن منعها له في حيّز الإمكان ، قال تعالى معللا للأمر بالتقوى ، أو مستأنفا مؤكدا تنبيها على أن هذا الأمر مما يحق أن يؤكد تنبيها على دقته ، وأنه مما لا يكاد أن يفطن له كثير من الناس فضلا عن أن يصدقوه لافتا القول إلى مظهر العظمة دلالة على عظيم جرأة الإنسان : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ أي أداءها أو حملها أو منعها أهلها ، وهي طاعته سبحانه فيما أمر به العاقل ، وفيما أراده من غيره ، ولم يذكر المياه والرياح لأنهما من جملة ما في الكونين من الأمانات اللاتي يؤديانها على حسب الأمر عَلَى السَّماواتِ بما فيها من المنافع وَالْأَرْضِ بما فيها من المرافق والمعادن . ولما أريد التصريح بالتعميم قال : وَالْجِبالِ ولأن أكثر المنافع فيها فَأَبَيْنَ على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها أي يَحْمِلْنَها فيمنعنها ويحبسنها عن أهلها ، قال الزمخشري : من قولك : فلان حامل للأمانة ومحتمل لها ، أي لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها ، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها ، ألا تراهم يقولون : ركبته الديون ولي عليه حق ، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملا لها وَأَشْفَقْنَ مِنْها فبدل كل منهن ما أودعه اللّه فيه في وقته كما أراده اللّه ، وهو معنى : أتينا طائعين ، والحاصل أنه جعلت الإرادة وهي الأمر التكويني في حق الأكوان لكونها لا تعقل كالأمر التكليفي التكويني في حقنا لأنا نعقل تمييزا بين من يعقل ومن لا يعقل في الحكم ، كما ميز بينهما في الفهم إعطاء لكل منهما ما يستحقه رتبته - وهذا هو معنى