ابراهيم بن عمر البقاعي
125
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
. ولما كان القرب والإحاطة للّه ، كان بالحقيقة لا رقيب إلا هو ، والآية على كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني ، فقد روى الترمذي في التفسير عن عائشة رضي اللّه عنها وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها قالت : ما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أحل له النساء ، وقال : هذا حديث حسن صحيح - انتهى . ونقل ابن الجوزي عنها رضي اللّه عنها أن الناسخ آية إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة رضي اللّه عنهم ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم ترك ذلك أدبا مع اللّه تعالى حيث عبر في المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع ، ورعاية لما أشار اللّه إليه من رعاية حقهن في اختيارهن من الدار الآخرة . ولما قصره صلّى اللّه عليه وسلّم عليهن ، وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج ، أرخى عليهن الحجاب في البيوت ومنع غيره صلّى اللّه عليه وسلّم مما كانت العرب عليه من الدخول على النساء لما عندهم من الأمانة في ذلك ، فقال مخاطبا لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ذكر في سبب نزولها ، ولأن المؤمنين كانوا منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل عليه ما يأتي من قول عمر رضي اللّه عنه في الحجاب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن لا تَدْخُلُوا مع الاجتماع ، فالواحد من باب الأولى . ولما كان تشويش الفكر ربما كان شاغلا عن شيء مما ينبئ اللّه به كما أشار إليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها » - أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم ، عبر بصفة النبوة في قوله : بُيُوتَ النَّبِيِّ أي الذي يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته ، في حال من الأحوال أصلا إِلَّا في حال أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ أي ممن له الإذن في بيوته صلّى اللّه عليه وسلّم منه أو ممن يأذن له في ذلك ، منتهين إِلى طَعامٍ أي أكله ، حال كونكم غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أي وقت ذلك الطعام وبلوغه واستواءه للأكل ، فمنع بهذا من كان يتحين طعام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن في ذلك تكليفا له صلّى اللّه عليه وسلّم بما يشق عليه جدا ، فإنه ربما كان ثم من هو أحوج إلى ذلك الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار ، فلا يتوجه الخطاب إلى غير أهل هذا السن السافل ، ومن وقعت له فلتة ممن فوق رتبتهم دخل في خطابهم بما أنزل من رتبته ، والتعبير باسم الفاعل المجرد في « نظرين » أبلغ في النهي .