ابراهيم بن عمر البقاعي

122

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الستر فهو إن شاء يترك المؤاخذة فيما له أن يؤاخذ به ، ويجعل مكان المؤاخذة الإكرام العظيم متصفا بذلك أزلا وأبدا . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 51 إلى 52 ] تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ( 51 ) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ( 52 ) . ولما ذكر هاتين الصفتين ، أتبعهما ما خففه عنه من أمرهن إكراما له صلّى اللّه عليه وسلّم مما كان من شأنه أن يتحمل فيه ويتخرج عن فعله ، فقال في موضع الاستئناف ، أو الحال من معنى التخفيف في الجمل السابقة : تُرْجِي بالهمز على قراءة الجماعة أي تؤخر مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي من الواهبات فلا تقبل هبتها أو من نسائك بالطلاق أو غيره مع ما يؤنسها من أن تؤويها ، وبغير همز عند حمزة والكسائي وحفص من الرجاء أي تؤخرها مع أفعال يكون بها راجية لعطفك وَتُؤْوِي أي تضم وتقرب بقبول الهبة أو بالإبقاء في العصمة بقسم وبغير قسم بجماع وبغير جماع تخصيصا له بذلك عن سائر الرجال إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وسيب نزول هذه الآية أنه لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن : يا نبي اللّه ! اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت . ودعنا على حالنا ، فنزلت « 1 » . ولما كان ربما مال إلى من فارقها ، بين تعالى حكمها فقال : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ أي مالت نفسك إلى طلبها مِمَّنْ عَزَلْتَ أي أوقعت عزلها بطلاق أو رد هبة فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي في إيوائها بعد ذلك بقبول هبتها أو بردها إلى ما كانت عليه من المنزلة عندك من قيد النكاح أو القسم . ولما كانت المفارقة من حيث هي - ولا سيما إن كان فراقها لما فهم منها من كراهية يظن بها - أنها تكره الرجعة ، أخبر سبحانه أن نساءه صلّى اللّه عليه وسلّم على غير ذلك فقال : ذلِكَ أي الإذن لك من اللّه والإيواء العظيم الرتبة ، لما لك من الشرف أَدْنى أي أقرب من الإرجاء ومن عدم التصريح بالإذن في القرآن المعجز ، إلى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي بما حصل لهن من عشرتك الكريمة ، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد ، لأن من كان كذلك كانت عينه قارة ، ومن كان مهموما كانت عينه كثيرة التقلب لما يخشاه - هذا إن كان من القرار بمعنى السكون ، ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد

--> ( 1 ) أخرجه الطبري 28567 من حديث أبي رزين العقيلي وانظر الدرر المنثور 5 / 397 - 398 ( الأحزاب : 51 ) .