ابراهيم بن عمر البقاعي
106
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المحيية بالفناء قال : وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ أي مع استحضار ما له من الكمال بصفات الجلال والجمال كَثِيراً بالقلب واللسان في كل حالة وَالذَّاكِراتِ ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم . ولما كان المطيع وإن جاوز الحد في الاجتهاد مقصرا عن بلوغ ما يحق له ، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله مكررا الاسم الأعظم إشارة إلى ذلك وإلى صغر الذنوب إذا نسبت إلى عفوه : أَعَدَّ اللَّهُ أي الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا يتعاظمه شيء لَهُمْ مَغْفِرَةً أي لهفواتهم وما أتوه من سيئاتهم بحيث يمحو عينه وأثره ، فلا عتاب ولا عقاب ، ولا ذكر له سبب من الأسباب . ولما ذكر الفضل بالتجاوز ، أتبعه التفضل بالكرم والرحمة فقال : وَأَجْراً عَظِيماً * وإعداد الأجر يدل على أن المراد بهذه الأوصاف اجتماعها لأن مظهر الإسلام نفاقا كافر ، وتارك شيء من الأوصاف متصف بضده ، وحينئذ يكون مخلا بالباقي ، وأن المراد بالعطف التمكن والرسوخ في كل وصف منها زيادة على التمكن الذي أفاده التعبير بالوصف دون الفعل ، وحينئذ تعدم الكبائر فيتأتى تكفير الصغائر ، فتأتي المغفرة والأجر ، وأما آية التحريم فلم تعطف لئلا يظن أنهن أنواع كل نوع يتفرد بوصف ، وإفادة الرسوخ هنا في الأوصاف من سياق الامتنان والمدح بكونهن خيرا . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 36 إلى 39 ] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ( 36 ) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 37 ) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ( 38 ) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ( 39 ) ولما كان اللّه سبحانه قد قدم قوله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ - الآية ، فعلم قطعا أنه تسبب عنها ما تقديره : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له ولي غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فطوى ذلك للعلم به ، واستدل على مضمون الآية وما قبلها بقصة الأحزاب ، وأتبعها نتيجة ذلك مما ذكر في تأديب الأزواج له صلّى اللّه عليه وسلّم وتهذيبهن لأجله وتطهير أهل بيته وتكريمهم حتى ختم سبحانه بالصفات العشر التي بدأها بالإسلام الذي ليس معه شيء