ابراهيم بن عمر البقاعي

10

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ثبت بهذا الخلق العظيم على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته ، ثبتت ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في العبادة كما توحد بالخلق ، لأن ذلك عين الحكمة ، كما كان خلقه لهذا الخلق على هذا النظام ليدل عليه سبحانه سر الحكمة ، فقال ملقنا للمحسنين من حزبه ما ينبهون به المخالفين موبخا لهم مقبحا لحالهم في عدو لهم عنه مع علمهم بما له من التفرد بهذه الصنائع : هذا أي الذي تشاهدونه كله خَلْقُ اللَّهِ أي الذي له جميع العظمة فلا كفوء له . ولما كان العاقل بل وغيره لا ينقاد لشيء إلا إن رأى له فعلا يوجب الانقياد له ، نبه على ذلك بقوله جوابا لما تقديره : فإن ادعيتم لما دونه مما عبدتموه من دونه خلقا عبدتموه لأجله : فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ زاد اسم الإشارة زيادة في التقريع بتأكيد النفي المقصود من الكلام ، ونبه على سفول رتبتهم بقوله مضمرا لأنه ليس فيما أسند إلى الاسم الأعظم حيثية يخشى من التقييد بها نقص : مِنْ دُونِهِ فسأله في رؤية ما خلقوا إشارة إلى أنهم فعلوا معهم فعل من يعتقد أن لهم خلقا ، فالمعنى أنكم غبنتم غبنا ما غبنه أحد أصلا بأن انقدتم لما لا ينقاد له حيوان فضلا عن إنسان بكونه لا فعل له أصلا ، فكان من حقكم - إن كانت لكم عقول - أن تبحثوا أولا هل لهم أفعال أم لا ؟ ثم إذا ثبت فهل هي محكمة أم لا ، ثم إذا ثبت فهل شاركهم غيرهم أم لا ، وإذا ثبت أن غيرهم شاركهم فأيهما أحكم ، وأما أنكم تنقادون لهم ولا فعل لهم أصلا ثم تقدرون أن لهم أفعالا ترجونهم بها وتخشونهم ، فهذا ما لا يتصوره حيوان أصلا ، ولذلك قال تعالى : بَلِ منبها على أن الجواب : ليس لهم خلق ، بل عبدتهم أو أنتم في جعلهم شركاء ، هكذا كان الأصل ، ولكنه قال : الظَّالِمُونَ أي العريقون في الظلم ، تعميما وتنبيها على الوصف الذي أوجب لهم كونهم فِي ضَلالٍ عظيم جدا محيط بهم مُبِينٍ أي في غاية الوضوح ، وهو كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها ، لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم لانحجاب شمس الإيمان عنهم بجبال الهوى فلا حكمة لهم . ولما ثبتت حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها بما قضى عليهم من الجهل وغباوة العقل وآتاها من تاب ، واعتصم بآيات الكتاب ، توقع السامع الإخبار عن بعض من آتاه الحكمة من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين ، فوضعوا الأشياء في مواضعها بأن آمنوا وعملوا الصالحات ، فقال صارفا وجه الكلام إلى مظهر العظمة تعظيما للحكمة عاطفا على قوله : « وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » أو على مقدر تقديره : لأنا أضللناهم بحكمتنا وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد لنا فما عبدوا صنما ولا مالوا إلى لهو ، لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعا للشيء في محله ، فهو تقرير لتخصيص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم