ابراهيم بن عمر البقاعي

44

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تخللها من التسلية بأحوال السلف الصالح والتأسية ، مفصلة من أدلة التوحيد والبعث ، وغير ذلك من الحكم ، بما يبعث الهمم ، على معالي الشيم ، كان كأنه قيل : هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع والمثال الرفيع ؟ فقيل : نعم كَذلِكَ أي مثل هذا القص العالي ، في هذا النظم العزيز الغالي ، لقصة موسى ومن ذكر معه نَقُصُّ عَلَيْكَ أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ؛ وأشار إلى جلالة علمه بقوله : مِنْ أَنْباءِ أي أخبار ما قَدْ سَبَقَ من الأزمان والكوائن الجليلة ، زيادة في علمك ، وإجلالا لمقدارك ، وتسلية لقلبك ، وإذهابا لحزنك ، بما اتفق للرسل من قبلك وتكثيرا لأتباعك وزيادة في معجزاتك ، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة وتأكد الحجة على من عابه : وَقَدْ آتَيْناكَ من عظمتنا تشريفا لك وتعظيما لقدرك مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد خصوصيته بنا ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيبا ذِكْراً * عظيما جليلا جامعا لما أظهرناه من أمرنا في التوراة ، وما أبطنّاه من سرنا في الإنجيل ، وما أودعناه من سكينتنا في الزبور ، مع ما خصصناه به من لطائف المزايا ، وعظائم الأسرار ، يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يشهد له من الروح ، ويذاق له من الإخبات والسكون ، ويرى له من الجلالة في الصدور مع القطع بأن أحدا لا يقدر أن يعارضه ، وضمناه تلك القصص مع ما زدنا فيه على ذلك من المواعظ والأحكام ودقائق إشارات الحقائق ، متكفلا بسعادة الدارين وحسنى الحسنيين ، فمن أقبل عليه كان مذكرا له بكل ما يريد من العلوم النافعة . ولما اشتمل هذا الذكر على جميع أبواب الخير ، فكان كل ما ليس له فيه أصل شقاوة محضة وضلالا بعيدا ، قال يقص عليه من أنباء ما يأتي كما قص من أنباء ما قد سبق : مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي عن ذلك الذكر ، وهو عام في جميع من يمكن دخوله في معنى « من » من العالمين فَإِنَّهُ يَحْمِلُ ولما كان المراد استغراق الوقت قال : يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً * أي حملا ثقيلا من العذاب الذي سببه الوزر وهو الذنب ، جزاء لإعراضه عنه واشتغاله بغيره خالِدِينَ فِيهِ وجمع هنا حملا على المعنى بعد الإفراد للفظ ، تنبيها على العموم لئلا يغفل عنه بطول الفصل ، أو يظن أن الجماعة يمكنهم المدافعة ، ويمكن أن يراد بالوزر الحمل الثقيل من الإثم ، ويكون الضمير في « فيه » للعذاب المسبب عنه فيكون استخداما كقوله : إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا ولما كانوا منكرين ليوم القيامة ، صرح بذكره ثانيا مع قرب العهد ، قارعا لأسماعهم به ، مجريا له إجراء ما هو به جدير من أنه متحقق لا مرية فيه فقال : وَساءَ