ابراهيم بن عمر البقاعي
42
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة ، تشوف السامع إلى ما كان من غيره ، فاستأنف تعالى ذكره بقوله : قالَ أي موسى عليه السّلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد قبول عذره . جاعلا ما نسب إليه سببا لسؤاله عن الحامل له عليه : فَما خَطْبُكَ أي أمرك هذا العجيب العظيم الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز العليم أنك أنت أضللتهم به يا سامِرِيُّ * قالَ السامري مجيبا له : بَصُرْتُ من البصر والبصيرة بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر فَقَبَضْتُ أي فكان ذلك سببا لأن قبضت قَبْضَةً أي مرة من القبض ، أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر مِنْ أَثَرِ فرس ذلك الرَّسُولِ أي المعهود فَنَبَذْتُها في الحلي الملقى في النار ، أو في العجل وَكَذلِكَ أي وكما سولت لي نفسي أخذ أثره سَوَّلَتْ أي حسنت وزينت لِي نَفْسِي * نبذها في الحلي فنبذتها ، فكان منها ما كان ، ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني عليه حامل غير التسويل . ولما كان فعله هذا مفرقا لبني إسرائيل عن طريق الحق التي كانوا عليها ، وجامعا لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات ، وعلى نفسه بكونه صار متبوعا في ذلك الضلال ، لكونه كان سببه ، عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو أشرف الحيوان ، ليكون ذلك سببا لضد ما تسبب عن فعله ، فيعاقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا فلا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد ، بل يكون وحيدا طريدا ما دام حيا ، فلذلك استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى : قالَ أي له موسى عليه السّلام : فَاذْهَبْ أي تسبب عن فعلك أني أقول لك : اذهب من بيننا ، أو حيث ذهبت فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أي ما دمت حيا أَنْ تَقُولَ لكل من رأيته : لا مِساسَ أي لا تمسني ولا أمسك ، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه - بما أفادته اللام ، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر على كل شيء ، واتباع ما لا قدرة له على شيء وَإِنَّ لَكَ بعد الممات مَوْعِداً للثواب إن تبت ، وللعقاب إن أبيت لَنْ تُخْلَفَهُ مبنيا للفاعل وللمفعول ، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه ، بل يكون كل منكما مواجها لصاحبه ، لا انفكاك له عنه ، كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس ، فاختر لنفسك ما يحلو . ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين ، أتبعه عجز العجل فقال : وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ أي بزعمك الَّذِي ظَلْتَ أي دمت في مدة يسيرة جدا بما أشار إليه