ابراهيم بن عمر البقاعي
30
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين . فكأن قائلا قال : هذا فعلهم فما قالوا ؟ فقيل : قالُوا آمَنَّا أي صدقنا . ولما كان سياق هذه السورة مقتضيا لتقديم هارون عليه السّلام قال : بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى * بشارة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه سبحانه لا يشقيه بهذا القرآن بل يهدي الناس به ويذلهم له ، فيجعل العرب على شماختها أذل شيء لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس ، وقبائلهم أقل القبائل ، مع ما في ذلك من الدليل على صدق إيمانهم وخلوص ادعائهم بتقديم الوزير المترجم ترقيا في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى من أمره بذلك ثم إلى من أرسله شكرا للمنعمين بالتدريج « لا يشكر اللّه من لم يشكر الناس » « 1 » وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط ، وذكروا اسم الرب إشارة إلى أنه سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على السحرة ، وعلى من كانوا يقرون له بالربوبية ، وهو فرعون الذي لم يغن عنهم شيئا ، فكانوا أول النهار سحرة ، وآخره شهداء بررة ، وهذه الآية في أمثالها من أي هذه السورة وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني دقيقة ، هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول : إن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع ، وتبعه جمع من المتأخرين تقليدا ، وقد عاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك حين قال : « سجع كسجع الجاهلية أو قال : الكهان » وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا بتقديم هارون ، ويؤيد ذلك أنه قال هنا إِنَّا رَسُولا وفي الشعراء رَسُولُ ، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة فاطر من النهر : لا يقال في شيء من القرآن : إنه قدم أو أخر لأجل السجع ، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ ، بل فيه وفي المعنى ، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن : ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه ، ثم رد على المخالف بأن قال : والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعا لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع . وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن ، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى ، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ . ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان
--> ( 1 ) حديث أخرجه أحمد 2 / 295 و 303 و 388 و 411 و 492 عن أبي هريرة وأيضا 5 / 211 و 212 عن الأشعث بن قيس .