ابراهيم بن عمر البقاعي

22

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يثبتها ، فقال مفتتحا بحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال : قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ أي علامة عظيمة وحجة وبرهان مِنْ رَبِّكَ الذي لا إحسان عليك إلا منه ، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما ، فأسلم تسلم ، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية ، ونسبته إلى كفران الإحسان ، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى اللّه وَالسَّلامُ أي جنسه عَلى جميع مَنِ اتَّبَعَ بغاية جهده الْهُدى * عامة ، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم ، فالمعنى : وإن أبيت عذبت إِنَّا أي لأنا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا من ربنا أَنَّ الْعَذابَ أي كله ، لأن اللام للاستغراق أو الماهية ، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية عَلى كل مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أي أوقع التكذيب والإعراض ، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق كان منقضيا ، وإذا انقضى كان كأنه لم يوجد ، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب . ولما كان التقدير : فأتياه فقولا : إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمرا به ، وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل ، فتسبب عنه سؤاله عن تعيينه ، استأنف الإخبار عن جوابه بقوله : قالَ أي فرعون مدافعا لهما بالمناظرة لا بالبطش ، لئلا ينسب إلى السفه والجهل : فَمَنْ أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما : من رَبُّكُما الذي أرسلكما ، ولم يقل : ربي ، حيدة عن سواء النظر وصرفا للكلام على الوجه الموضح لخزيه . ولما كان موسى عليه السّلام هو الأصل في ذلك ، وكان ربما طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حسبة تحصل في لسانه ، أفرده بقوله : يا مُوسى * قالَ له موسى على الفور : رَبُّنَا أي موجدنا ومربينا ومولانا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ مما تراه في الوجود خَلْقَهُ أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به ، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر ، ويجل عن الوصف . ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من المفاوتة ، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال : ثُمَّ هَدى * أي كل حيوان منه مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها ، ومضاره فيحذرها ، فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار ، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت .