ابراهيم بن عمر البقاعي
11
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السّلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف ، أرشد ذلك إلى أن المعنى : هل تعلم له سميا ، أي متصفا بأوصافه أو بشيء منها له بذلك الوصف مثل فعله ، ولما كان الجواب قطعا : لا ، ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه ، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السّلام ، ويكون التقدير : هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك ، وتفخيم أمرك ، بتكثير أتباعك ، وعطف عليه القصة شاهدا محسوسا على ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى ، ولا سيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة ، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد ، والتمكين في أقطار البلاد ، وكثرة الأتباع ، وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع ، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت ، فإن ابتداء أمر موسى عليه السّلام أنه أتى النار ليقبس أهله منها نارا أو يجد عندها هدى . فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح ، وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك اجتذابا من الحق له قبل النبوة بمدد ، تدريبا له وتقوية لقلبه ، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر ، وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر ، وموسى عليه السّلام رأى حين أتته النبوة آية العصا واليد ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه ، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة « 1 » . وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث « 2 » فقال تعالى مقررا تنبيها على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه ، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صلّى اللّه عليه وسلّم وغشوا قريشا حين تكلفوا طيّ شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم : وَهَلْ أَتاكَ أي يا أشرف الخلق ! حَدِيثُ مُوسى * نادبا إلى التأسي بموسى عليه السّلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد ، وشارحا بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم ، ومقررا بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه ، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له ، كما أعز موسى عليه السّلام على من خرج من بلادهم خائفا يترقب ، ترغيبا في
--> ( 1 ) تقدم وانظر السيرة 1 / 80 . ( 2 ) تقدم في أواخر سورة الكهف .