ابراهيم بن عمر البقاعي
8
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوة ، وكل ذلك مما أعقبه جميل الصبر وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة ، ثم انجرّ في أثناء هذه القصة الجليلة إنابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة والسّلام بما منحه اللّه من النزاهة عن كل ما يشين ، ثم استخلاص العزيز إياه - إلى ما انجرّ في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسّلام وما جرى في أممهم ، فلهذا فصلت عنهم ، وقد أشار في سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طيّ ذلك ، وقد صرح لهم مما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ - إلى قوله : أَمْناً [ النور : 55 ] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة والسّلام بجملتها أشبه شيء بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع اللّه شملهم اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] وأورثهم اللّه الأرض وأيدهم ونصرهم ، ذلك بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم ، فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - واللّه أعلم ، وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عندما حد له ، فلم يضره ما كان ، ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود ؛ ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر ، فأخرت إلى عقب سورة هود عليه الصلاة والسّلام لمجموع هذا - واللّه تعالى أعلم ؛ ثم ناسبت سورة يوسف عليه الصلاة والسّلام أيضا أن تذكر إثر قوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [ هود : 114 ] ، وقوله وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ هود : 115 ] وقول وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً - [ هود : 118 ] الآية ، وقوله وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [ هود : 121 ] فتدبر ذلك ، إما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسّلام عليهم لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [ يوسف : 91 ] وعفوه عنهم لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [ يوسف : 92 ] وندم امرأة العزيز وقولها الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [ يوسف : 51 ] -