ابراهيم بن عمر البقاعي
66
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يباشر الأمور بنفسه كما هو فعل الكفاة الحزمة ، لا يثق فيه بغيره فَعَرَفَهُمْ لأنه كان مرتقبا لحضورهم لعلمه بجدب بلادهم وعقد همته بهم . مع كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره ، ولم يتغير عليه كبير من حالهم . لمفارقته إياهم رجالا وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * ثابت إنكارهم عريق فيهم وصفهم به ، لعدم خطوره ببالهم لطول العهد ، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة الملك وعز السلطان ، وغير ذلك مما ينكر معه المعروف ، ويستوحش لأجله من المألوف ، وفق ما قال تعالى لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ يوسف : 15 ] والدخول : الانتقال إلى محيط ، والمعرفة : تبين الشيء بالقلب بما لو شوهد لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته . ولما كان المعنى في قوة أن يقال : فطلبوا منه الميرة فباعهم بعد أن استخبرهم عن أمرهم ، وقال لهم : لعلكم جواسيس ؟ وسألهم عن جميع حالهم . فأخبروه بأبيهم وأخيهم منه ، ليعلم صلاحهم ولا يظن أنهم جواسيس ، عطف عليه قوله : وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ أي يوسف عليه الصلاة والسّلام بِجَهازِهِمْ الذي جاؤوا له وقد أحسن إليهم ؛ والجهاز : فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد قالَ أي لهم ائْتُونِي أيها العصابة بِأَخٍ لَكُمْ كائن مِنْ أَبِيكُمْ يأتي برسالة من أبيكم الرجل الصالح حتى أصدقكم ، أو أنهم طلبوا منه لأخيهم حملا ، فأظهر أنه لم يصدقهم ، وطلب إحضاره ليعطيه ، فإنه كان يوزع الطعام على قدر الكفاية ؛ ثم رغبهم بإطماعهم في مثل ما فعل بهم من الإحسان ، وكان قد أحسن نزلهم ، فقال مقررا لهم بما رأوا منه : أَ لا تَرَوْنَ أي تعلمون علما هو كالرؤية أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أي أتمه دائما على ما يوجبه الحق وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * أضع الشيء في أولى منازله . ولما رغبهم ، رهبهم فقال : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ أي بأخيكم أول قدمة تقدمونها فَلا كَيْلَ لَكُمْ وعرفهم أنه لا يظلمهم بأنه لا يمنعهم من غيره فقال : عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ * ومع ذلك فلم يخطر ببالهم أنه يوسف ، فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل : قالُوا سَنُراوِدُ أي بوعد لا خلف فيه حين نصل عن أَباهُ أي نكلمه فيه وننازعه الكلام ونحتال عليه فيه ، ونتلطف في ذلك ، ولا ندع جهدا ؛ ثم أكدوا ذلك - بعد الجملة الفعلية المصدرة بالسين - بالجملة الاسمية المؤكدة بحرفي التأكيد ، فقالوا : وَإِنَّا لَفاعِلُونَ * أي ما أمرتنا به والتزمناه ، وقد مضى عند وَراوَدَتْهُ أن المادة - يائية وواوية بهمز وبغير همز - تدور على الدوران ، ومن لوازمه القصد والإقبال والإدبار والرفق والمهلة ، وقد مضى بيان غير المهموز ، وأما المهموز فمنه درأه ، أي دفعه - لأن المدفوع