ابراهيم بن عمر البقاعي

60

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

قيل : إن الملك كان يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها ، فعرفها كلها ، ثم دعا للملك بالعبراني ، فلم يعرفه الملك فقال له : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي ، فعظم عنده جدا ، فكأنه قيل : فما قال الصديق ؟ فقيل : قالَ ما يجب عليه من السعي في صلاح الدين والدنيا اجْعَلْنِي قيما عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي أرض مصر التي هي لكثرة خيرها كأنها الأرض ؛ ثم علله بما هو مقصود الملوك الذي لا يكادون يقفون عليه فقال : إِنِّي حَفِيظٌ أي قادر على ضبط ما إليّ أمين فيه عَلِيمٌ * أي بالغ العلم بوجوه صلاحه واستنمائه فأخبر بما جمع اللّه له من أداتي الحفظ والفهم ، مع ما يلزم الحفظ من القوة والأمانة ، لنجاة العباد مما يستقبلهم من السوء ، فيكون ذلك سببا لردهم عن الدين الباطل إلى الدين الحق . ولما سأل ما تقدم ، قال معلما بأنه أجيب بتسخير اللّه له : وَكَذلِكَ أي ومثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع الناس ، ومثل ما سأل من التمكين مَكَّنَّا أي بما لنا من العظمة لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي مطلقا لا سيما أرض مصر بتولية ملكها إياه عليها يَتَبَوَّأُ أي يتخذ منزلا يرجع إليه ، من باء - إذا رجع مِنْها حَيْثُ يَشاءُ بإنجاح جميع مقاصده ، لدخولها كلها تحت سلطانه . لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده ، فيحوز الأجر وجميل الذكر مع ما يزيد به من علو الشأن وفخامة القدر ، فكأنه قيل : لم كان هذا ؟ فقال : لأمرين : أحدهما أن لنا الأمر كله نُصِيبُ على وجه الاختصاص بِرَحْمَتِنا بما لنا من العظمة مَنْ نَشاءُ من مستحق فيما ترون وغيره ، لا نسأل عما نفعل ، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا ، والثاني أنه محسن يعبد اللّه فانيا عن جميع الأغيار وَ نحن لا نُضِيعُ بوجه أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * أي العريقين في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك ؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في أول فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : فأتاه الرسول فقال : ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثيابا جددا ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه رأى غلاما حدثا فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة ! وأقعده قدامه ثم قال : قال عثمان - يعني ابن صالح - وغيره في حديثهما : فلما استنطقه وسايله « 1 » عظم في عينه ، وجل أمره في قلبه ، فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه - ورجع إلى ابن عباس قال : وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك ؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف : قد سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع ! قال يوسف : نعم .

--> ( 1 ) أي ساءله .