ابراهيم بن عمر البقاعي
51
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
التي لا تناسب بينها ، لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي الصحيحة ، وتارة تكون من تحريف الشيطان وتخليطاته ، وتارة من حديث النفس ؛ ثم قالوا : وَما نَحْنُ أي بأجمعنا بِتَأْوِيلِ أي ترجيع الْأَحْلامِ أي مطلق الأضغاث وغيرها ، وأعرقوا في النفي بقولهم : بِعالِمِينَ * فدلسوا من غير وجه ، جمعوا - وهي حلم واحد - ليجعلوها أضغاثا لا مدلول لها ، ونفوا عن أنفسهم « العلم المطلق » المستلزم لنفي « العلم بالمقيد » بعد أن أتوا بالكلام على هذه الصورة ، ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثا - واللّه أعلم ؛ والقول : كلام متضمن بالحكاية في البيان عنه ، فإذا ذكر أنه قال ، اقتضى الحكاية لما قال ، وإذا ذكر أنه تكلم ، لم يقتض حكاية لما تكلم به ، ومادة « حلم » بجميع تقاليبها تدور على صرف الشيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه الجبلة - كما يأتي في الرعد في قوله : شَدِيدُ الْمِحالِ [ الرعد : 13 ] . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( 46 ) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ولما كان هذا حالا مذكرا للساقي بيوسف عليه الصلاة والسّلام - أخبر سبحانه بأنه ذكره بعد نسيانه ، فقال عادلا عن الفاء إيذانا بأنه من الملا : وَقالَ الَّذِي نَجا أي خلص من الهلاك مِنْهُما أي من صاحبي السجن ، وهو الساقي وَ الحال أنه ادَّكَرَ - بالمهملة ، أي طلب الذكر - بالمعجمة ، وزنه افتعل بَعْدَ أُمَّةٍ من الأزمان ، أي أزمان مجتمعة طويلة أَنَا أُنَبِّئُكُمْ أي أخبركم إخبارا عظيما بِتَأْوِيلِهِ أي بتفسير ما يؤول إليه معنى هذا الحلم وحده كما هو الحق ، وسبب عن كلامه قوله : فَأَرْسِلُونِ * أي إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام فإنه أعلم الناس ، فأرسلوه إليه ؛ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ولم يكن السجن في المدينة ، فأتاه فقال الساقي المرسل بعد وصوله إليه مناديا له بنداء القرب تحببا إليه : يُوسُفُ وزاد في التحبب بقوله : أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أي البليغ في الصدق والتصديق لما يحق تصديقه بما جربناه منه ورأيناه لائحا عليه أَفْتِنا أي اذكر لنا الحكم فِي سَبْعِ وميز العدد بجمع السلامة الذي هو للقلة - كما مضى لما مضى - فقال : بَقَراتٍ سِمانٍ أي رآهن الملك يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ أي من البقر عِجافٌ أي مهازيل جدا وَ في سَبْعِ سُنْبُلاتٍ جمع سنبلة ، وهي مجمع الحب من الزرع خُضْرٍ وَ في سبع أُخَرَ أي من السنابل يابِساتٍ وساق جواب السؤال سياق الترجي إما جريا على عوائد العقلاء في عدم البتّ في الأمور المستقبلة ،