ابراهيم بن عمر البقاعي

31

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ذلك الإمام أبو حيان ، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال : إن هذا قول المحققين من المفسرين ، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب الأسماع ، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل ، وأنه ما منعه منه إلّا العلم باللّه ، فكأنه قيل : إن هذا التثبيت عظيم ، فقيل إشارة إلى أنه لازم له كما هو شأن العصمة : كَذلِكَ أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ أي الهمّ بالزنا وغيره وَالْفَحْشاءَ أي الزنا وغيره ، فكأنه قيل : لم فعل به هذا ؟ فقيل إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة الْمُخْلَصِينَ * أي هو في عداد الذين هم خير صرف ، لا يخالطهم غش ، ومن ذريتهم أيضا ، وهذا مع قول إبليس لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 83 ] شهادة من إبليس أن يوسف عليه الصلاة والسّلام بريء من الهمّ في هذه الواقعة ؛ قال الإمام : فمن نسبه إلى الهمّ إن كان من أتباع دين اللّه فليقبل شهادة اللّه ، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس بطهارته ، قال : ولعلهم يقولون : كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه - كما قيل : وكنت فتى من جند إبليس فارتقى * من الأمر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده * طراييق فسق ليس يحسنها بعدي [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 25 إلى 29 ] وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 25 ) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلا فقال : وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما ، هذا للهرب منها ، وهذه لمنعه ، فأوصل الفعل إلى المفعول بدون « إلى » ، دليلا على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق ، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى اللّه ، ولكن عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة ، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه ، وهو ما كان من ورائه خوف فواته ، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ،