ابراهيم بن عمر البقاعي

25

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

نفسه فغلب أمره سبحانه فعصمه حتى لم يهم بسوء ، بل هرب منه غاية الهرب ، ثم بذلت جهدها في إذلاله وإلقاء التهمة عليه فأبى اللّه إلا إعزازه وبراءته ، ثم أراد يوسف عليه الصلاة والسّلام ذكر الساقي له فغلب أمره سبحانه فأنساه ذكره حتى مضى الأجل الذي ضربه سبحانه ، وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أن لا أمر لغيره سبحانه ! وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي الذين هم أهل الاضطراب لا يَعْلَمُونَ * لعدم التأمل أنه تعالى عال على كل أمر ، وأن الحكم له وحده ، لاشتغالهم بالنظر في الظواهر للأسباب التي يقيمها ، فهو سبحانه محتجب عنهم بحجاب الأسباب . ذكر ما مضى من قصة يوسف عليه الصلاة والسّلام من التوراة : قال في أواخر السفر الثاني منها : كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنة ، وكان يرعى الغنم مع إخوته ، وكان إسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته ، لأنه ولد على كبر سنه ، فاتخذ له قميصا ذا كمين ، فرأى إخوته أن والدهم أشد حبا له منهم ، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام ، فرأى رؤيا فقصها على إخوته فقال لهم : اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت ، رأيت كأنا نحزم حزما من الزرع في الزراعة ، فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت ، وإذا حزمكم قد أحاطت بها تسجد لها ، قال له إخوته : أترى تملكنا وتتسلط علينا ؟ وازدادوا له بغضا لرؤياه وكلامه ، فرأى رؤيا أخرى فقال : إني رأيت رؤيا أخرى ، رأيت كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا يسجدون لي ، فقصها على أبيه وإخوته ، فزجره أبوه وقال له : ما هذه الرؤيا ؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض ؟ فحسده إخوته ، وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل . وانطلق إخوة يوسف يرعون غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف : هو ذا إخوتك يرعون في نابلس ، هلم أرسلك إليهم ! فقال : هأنذا ! فقال أبوه : انطلق فانظر كيف إخوتك وكيف الغنم ؟ وائتني بالخبر ، فأرسله يعقوب عليه الصلاة والسّلام من قاع حبرون ، فأتى إلى نابلس ، فوجده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل وقال : ما الذي تطلب في الحقل ؟ فقال أطلب إخوتي ، دلني عليهم أين يرعون ؟ قال له الرجل : قد ارتحلوا من هاهنا ، وسمعتهم يقولون : ننطلق إلى دوثان ، فتبع يوسف إخوته فوجدهم بدوثان ، فرأوه من بعيد ، ومن قبل أن يقترب إليهم هموا بقتله ، فقال بعضهم لبعض : هو ذا حالم الأحلام قد جاء ، تعالوا نقتله ونطرحه في بعض الجباب ، ونقول : قد افترسه سبع خبيث ، فننظر ما يكون من أحلامه ! فسمع روبيل فأنقذه من أيديهم وقال لهم : لا تقتلوا نفسا ، ولا تسفكوا دما ، بل ألقوه في هذا الجب الذي في البرية ، ولا تمدوا أيديكم إليه ، وأراد أن ينجيه من أيديهم ويرده إلى أبيه .